أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / مستقبل الإنسان العربي بقلم المفكر اللبناني الدكتور حسن صعب

مستقبل الإنسان العربي بقلم المفكر اللبناني الدكتور حسن صعب

مستقبل الإنسان العربي رؤية.
وحيث لا تكون رؤية لا يكون تاريخ ولا يكون مستقبل.
وهي رؤية غيبية من وحي الدين، كالرؤية الفردوسية الأخروية في أديان الوحدانية، إلا الإسلام الذي ألّف بين الرؤيتين الدنيوية والأخروية، بدعوته لسعادة الدارين.
أو رؤية إيديولوجية إذا صاغتها حتمية كالاشتراكية العلمية، التي يعتقد معلموها أنها مؤدية للفردوس الأرضي.
أو رؤية تنبُئية من إلهام الحدس، كرؤية العالم السياسي الفرنسي ألكسي دي توكفيل، التي جعلته يتوقع، منذ منتصف القرن التاسع عشر، أن أميركا وروسيا ستكونان جباري القرن العشرين.
أو رؤية خيالية يوتوبية من بنات الحلم والخيال، كتلك المدن الفاضلة التي أبدعها أفلاطون وأرسطو وزينون والفارابي وملتن وغيرهم من الفلاسفة والشعراء.
أو رؤية علمية استطلاعية بمنهجية البحث المستقبلي. وهي أحدث ما صدر عن العقل الإنساني من رؤى، سبيلها مناهج البحث العلمي، التي تبلغ أوجها مع النمذجة.
ورؤانا المستقبلية العربية بعضها ذاتي وأكثرها خارجي. والذاتي منها ما كان مصدره عربيّاً، سواء أكان هذا المصدر مفكراً فرداً أو جماعة من الباحثين أو منظمة من المنظمات العربية أو هيئة علمية كمركز دراسات الوحدة العربية، الذي نظم أخيراً في تونس مؤتمراً حول مشاهد المستقبل العربي.
والخارجي منها ما كان مصدره باحثاً أجنبيّاً من الباحثين المتخصصين في الاستطلاع العلمي المنهجي المستقبلي، معهداً أو هيئة من الهيئات الأجنبية أو الدولية المعنية بالأبحاث المستقبلية. ويكاد بعض هؤلاء يقفزون من المستقبلية كمنهجية إلى المستقبلية كإيديولوجية “قوتورلوجية”. وشأنها في ذلك شأن الماركسية، التي أطلقها ماركس كمنهجية، فحولها مريدوه إيديولوجية.
ثم إن للدول الكبرى تخطيطاً مستقبليّاً للعرب حصتهم منه. وبعض هذا التخطيط منظور وبعضه غير منظور.
فللعرب مكانهم في التخطيطات المستقبلية للمنظمات المتخصصة للأمم المتحدة.
وللعرب نصيبهم في التخطيط المستقبلي الأميركي.
وللعرب دورهم في التخطيط المستقبلي السوفياتي.
وللعرب حصتهم في التخطيط المستقبلي الأوروبي.
وللعرب مصيدتهم في التخطيط المستقبلي الإسرائيلي.
فعلى الباحث المستقبلي العربي أن يحيط بكل هذه الرؤى ذاتية كانت أم خارجية، وهو يستطلع مستقبل الإنسان العربي.
ونحن لا ندعي بأننا نحيط بكل هذه الرؤى، ولكننا لا نتجاهلها. ولا نستطيع أن نتغاضى عنها، لأننا نعيش الآن عصر إعجاز التواصل الحضاري الإعلامي اللحظوي. وهذا التواصل يقودنا، أحببنا ذلك أم كرهناه، في طريق الحاضرة الكونية الواحدة (1) !
ويعني هذا أن مستقبل كل إنسان يتوقف على مستقبل الإنسان الآخر. فالإنسانية أشبه ما تكون الآن بطائرة تضم الأبيض والأسود والأصفر والغربي والشرقي والعربي، والمتقدم والمتخلف، والغني والفقير، والمؤمن والملحد، ولكن مصيرهم جميعاً هو مصير الطائرة، التي تحلق بهم في أعالي الفضاء، أو تهوي بهم إلى أعماق البحر. والإنسانية تتطور الآن من عهد الثورة الصناعية الأولى إلى عهد الثورة الصناعية الثانية المعروفة بالثورة العلمية التكنولوجية الإعلامية أو بثورة المعرفة.
فمستقبل الإنسان العربي يتوقف على أهليته للانفتاح على كل هذا التطور واستساغته استساغة إبداعية، وتجاوزه تجاوزاً خلاقاً. فالانعزال هو الانتحار. والتواصل انتصار. وإذا كنا نرفض العبرة من “شياطين” القرن العشرين، فلنأخذها من ملائكة القرن السابع. إن الله تعالى حمَّل جبريل آنذاك وحيه إلى رجل من قريش، التي كانت أكثر القبائل تواصلاً مع أهل الجزيرة العربية، كما كانت أوثقها تواصلاً مع العالم بالتجارة، برحلتي الشتاء والصيف، التي جاءنا نبؤها في القرآن الكريم (2). فإذا كان ذلك هو حالنا في عهد قوافل الجِمال ومواكب الفرسان، فكيف يكون حالنا في عهد المراكب الفضائية والأقمار الصناعية ؟ إن التجارة كانت المدرسة الأولى لتواصل العرب مع العالم. فإذا بالرسالة تعلو بهم من هذا المستوى المادي للتواصل، لمستواه الروحي العلوي السرمدي.
إن العبقرية العربية تكونت تكويناً تجريبياً بالتجارة، ثم علت علوّاً روحيّاً بالرسالة. وليس في اعتبارنا بالماضي من ضير ونحن نتناول المستقبل. ولا نقول هذا لاعتقادنا بأن المستقبل هو امتداد للحاضر وتكرار للماضي. ففي الماضي ما هو أزلي وما هو فانٍ. وفي الحاضر ما هو جوهر وما هو عارض. ولو نظرنا فيما هو عارض في الحاضر، لكانت نظرتنا إلى العرب نظرة سوداء، ولَتَصوَّنا العروبة في طريق الزوال. ولكن من مزايا البحث العلمي المستقبلي في الغرب والشرق، أنه يعلمنا، أن المستقبل هو مستقبلات، وليس مستقبلاً واحداً. وأن الغد هو احتمالات، وليس احتمالاً واحداً. فحلت بذلك الاحتمالية محل الحتمية. وكان علماء الاجتماع تحت تأثير العالم الطبيعي نيوتن، يبحثون عن حتميات اجتماعية كالحتميات الطبيعية التي نادى بها. وكان من مواليد هذه النزعة مونتسكيو، أبو الليبرالية السياسية، الذي يمكن اعتباره الأب الدستوري للعالم الغربي، وكارل ماركس، الأب المادي للعالم الشرقي. ولكن علماءنا الاجتماعيين المعاصرين، تحت تأثير تعمق أينشتاين في درس الذرّة وتموّجاتها العشوائية، باتوا يبحثون عن الاحتمالات لا عن الحتميات. فأًصبح بوسع الإنسان أن يستطلع احتمالات مستقبلية متعددة، لا احتمالاً مستقبلياً واحدة (3). فانفتح بذلك أمام الإنسان باب الحرية. وأصبح بوسعنا نحن العرب، أن نستطلع مختلف خياراتنا المستقبلية، وأن نصفي منها الخيار الأفضل، فنعبىء كل طاقاتنا لتحقيقه، أيّاً كانت تفاعلاتنا مع الغير. إن الاحتمالية تجعل الإنسان صانع مستقبله، فلماذا لا يكون الإنسان العربي هو أيضاً صانع مستقبله ؟
وباب الحرية، حرية صناعة المستقبل، وحرية اختيار المستقبل الأفضل، هذا الباب، الذي وصفه شوقي بأنه بكل يد مضرجة يدق، يمكن أن تفتحه لنا اليد المعقلنة، إذا تذكرنا أن الإنسان هو إمكان لم يتحقق بعد، وأن ما لا يعرفه الإنسان عن نفسه هو أكثر مما يعرف. {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} (4). إن باب العلم وباب التقدم ما يزالان أكبر من كل ما عرفنا حتى الآن. والعقل العربي منفتح الآن على العالم والتقدم، مهما اعترانا من غشاوة التخلف. ونحن الذين استحدثنا، ما سماه كبير مؤرخي العلم سارتن، معجزة علمية وسطوية (5)، في قرون الظلمات الغربية، فلماذا لا نستحدث المعجزة الجديدة، في القرن، الذي أصبح فيه من العلماء ما يفوق كل ما عرفه الإنسان في تاريخه قبل الآن ؟
إن الإطار التاريخي لمعجزتنا الوسطوية، كانت دار الإسلام الواحدة من الباب الهادىء إلى الباب الأطلسي، وكانت دار كل مسلم وكل عربي، مسلماً كان أم مسيحياً. وكانت داراً منفتحة على علوم الأولين والآخرين. وأما دارنا الجديدة، فإننا لا نعرف ماهيتها بعد. فما يزال بيننا من يرى داره في قبيلته أو في فئته المذهبية أو العراقية، ومن يرى داره في القطر الذي تقوم فيه دولته، ومن يرى داره دار الجامعة العربية، ومن يرى داره دار الجماعة الإسلامية، ومن يرى داره دار الجماعة الإنسانية. فأي دار ستكون دار المستقبل للإنسان العربي ؟ هذا مثل من الأمثلة على الاحتمالات المستقبلية المتعددة. أن يكون إنسان المستقبل العربي فئويّاً، أو قطريّاً، أو تعاونيّاً، أو وحدويّاً، أو سلفيّاً، أو أمميّاً.
إننا نتوقف هنا مع الفارابي في نظرية الدار الصغرى والدار الوسطى والدار الكبرى (6) ونعدّلها بعض التعديل مع مقتضيات تطورنا التاريخي، فنرى الدار العربية دارنا الصغرى، ودارنا الإسلامية دارنا الوسطى، ودارنا الإنسانية دارنا الكبرى. فنتيح بذلك لمستقبل الإنسان العربي الحيز الأوسع لا الحيز الضيق، ونحل محل التناقض الذي نعاني ويلاته، التكامل الذي نتوزع خيراته توزيعاً عادلاً. في دارنا الصغرى تقوم دولتنا العربية الواحدة، مركزية كانت أم اتحادية. وفي دارنا الوسطى تسود عروبتنا الإسلامية الوثقى. وفي دارنا الكبرى تزدهر إنسانيتنا ذات الحضارة الواحدة. هذه الإنسانية التي نشأت حضارتها الأولى في دارنا العربية، ما بين وادي النيل، وساحل فينيقيا، ووادي دجلة والفرات، والتي شهدت حضارة الإنسان المتحرر بالتوحيد ممتدة في العصر الوسيط، ما بين الأندلس والصين، وما بين الأناضول وأواسط إفريقيا. هذه الإنسانية، التي كدنا نوحدها، في العصر الوسيط، عصر الجمل والحصان، يتوجب علينا أن نكون رواد توحيدها في القرن الحادي والعشرين. وإذا بدت هذه الرؤية وهماً، فلتنذكر أن استقلالنا بدا للبعض وهماً، بعد الحرب العالمية الأولى، حين وقعنا جميعاً، عرباً ومسلمين، تحت وطأة الاستعمار بمختلف أشكاله. ولكننا ما لبثنا أن تحررنا بنضالنا البطولي بعد الحرب العالمية الثانية، باستثناء فلسطين، ذلك الجزء الأعز، الذي تنبئنا انتفاضة أبنائه، ثوار الحجارة، بأنهم هم الآن أيضاً في طريق التحرر، بل في طريق تحريرنا جميعاً من جديد، إن لم نجهض بخلافاتنا ملحمتهم الحجارية.
ونحن مع أندره مالرو، بأن هذه الظاهرة التحررية العربية هي معجزة القرن العشرين، ولسنا مع آرثر كستلر في اعتباره المعجزة قيام إسرائيل (7). فإسرائيل عَرَض زائل، ولكن الأمة العربية جوهر خالد. ولا نبالغ في تصورنا العرب أهل إعجاز الغد، كما كانوا أهل إعجاز الأمس القريب والبعيد. ولا ننكر أن هذا القول يصدر منا عن إيمان بعروبتنا، وعن حرصنا على أن يستعيد الجيل العربي الجديد ثقته بمستقبل أمته، بالرغم من كل ما انتابنا من انتكاسات أو خيبات في ظل الاستقلال. “وإذا كان لنا من الماضي ما يسوغ ثقتنا بأنفسنا، فإن لنا من انفتاح المستقبل ومن إمكاناتنا … ما يجب أن يدعم هذه الثقة… فالمستقبل هو ملك أهله، وأهله هم أولئك الذين يستحقونه. وخليق بالتوق إلى هذا الاستحقاق أن يبدل باليأس أملاً وطموحاً، وبالقلق والخوف صفاء وجرأة، وأن يقلب ما نعانيه من عجز عزيمة وقدرة …” (8).
إن موقف الثقة بمستقبل أمتنا العربية هو موقف إيماني التزامي. ولكنه لا يتنافى في شيء مع المناهج العلمية للبحث المستقبلي. وهي مناهج تتراوح بين التوقع التخميني والتخطيط والإضفاء والاستدلال القياسي واعتماد السيناريوهات أو المشاهد والنمذجة (9) فإذا أضفينا حاضرنا على مستقبلنا غَشِيّنا اليأس، لأنه حاضر تخلف وتجزئة وعجز. ولكن هذا الإضفاء الانطباقي هو موقف غير علمي، لأنه موقف سكوني يتعارض مع فلسفة التاريخ لدى هيجل، التي تقوم على أن الكينونة هي الصيرورة، وأن التاريخ هو نضال في سبيل الحرية (10). وقبل أن نتعلم هذه الحقيقة من هيجل، تعلمناها من كتاب الله تعالى في قوله تعالى : {وتلك الأيام نداولها بين الناس}(11). وإذا اعتمدنا الاستدلال القياسي، وجب التساؤل حينئذ، على أي زمان نقيس مستقبلنا، أ‘لى زماننا الحاضر الردىء، أم على زماننا الوسطوي المضيء؟ (12) فتنبرىي لذهننا القاعدة المنطقية الأصولية : القياس مع الفارق ؟
فإذا قسنا حاضرنا المظلم على ماضينا المضيء، وجب علينا التساؤل عما أطفأ منارتنا، التي أضاءت على العالم بين القرن السابع والقرن الرابع عشر؟ والجواب الشائع بيننا هو أن الاستعمار هو الذي انحدر بنا إلى التخلف. وهذا صحيح، إذا تناسينا تدهورنا الذي سبق الاستعمار، والذي جعل من القرن الثامن عشر عصر التنور في أوروبا وعصر الظلام في دارنا وهنا ننحي باللائمة على السلطنة العثمانية، التي انغلقت بنا عن التقدم الحضاري. ولا ريب في مسؤوليتها في هذا المجال. ولكنها مع ذلك كانت سلطنتنا نحن (13)، بل كانت السلطنة العظمى الأخيرة في تاريخ الإسلام. ولكن بيننا من يشبه، بشعوره القومي العربي، الاستعمار الأوروبي بالاستعمار العثماني. ولكن المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي، يذكرنا بمسؤوليتنا الذاتية، في نظريته حول القابل للاستعمار والخاضع للاستعمار. فلولا قابلية الخضوع للاستعمار، بسبب ضعفنا وتخلفنا، لما استطاع المستعمرون، أيّاً كانوا، أن يحتلوا أرضنا (14). وسبقه إلى مثل هذا النقد الذاتي، فيلسوفنا الشاعر محمد إقبال، أبو الباكستان الروحي، في قصيدته الرائعة، الشكوى، وجواب الشكوى، التي استوحاها من الحرب العثمانية البلغارية، قبل الحرب العالمية الأولى، وما اقترف فيها البلغاريون، بمساعدة الروس، من آثام ضد المسلمين (15).
ونحن نجازف هنا، بتقديم نظرية عن تطور الحكم العربي في ظل الإسلام، يمكن أن يكون عبرة لمستقبلنا. فالعرب هم الذين حملوا رسالة الإسلام للعالم، وحياً، وكتاباً، ولغة، ورسولاً، وخلفاء، وفتحاً، وتعليماً. وكان أروع ما في هذه الرسالة، مبدأ المساواة بين معتنقيها. وما لبث الفرس أن انتزعوا منهم السيادة، باسم هذه المساواة، في العصر العباسي الأول. وتبعهم الأتراك بعد ذلك، وأخذوا يجتاحوننا، موجة بعد الأخرى، منذ أيام الخليفة المعتصم حتى انهيار السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. فافتقد العرب طيلة هذه القرون فن ممارسة الحكم الذاتي، وإن ظلت السيادة لدينهم ولغتهم في صناعة الحضرة الجديدة. وفن الحكم الذاتي هو أعسر الفنون التي أكرم الله بها الإنسان. والأسطورة الأفلاطونية ذكرت لنا، بأن “كبير الآلهة” زيوس كان يرسل “آلهته” لتعلم فئة ما من البشر فنّاً ما. ولمّا أرسل “الإله” هرمس لتعليم العدل، أي الحكم العادل، طلب منه أن يعلمه لجميع الناس. فسأله المرسل لماذا ؟ فأجابه : إن هذا فن عسير، لا يستقيم الحكم، ولا يستقيم العدل، إلا إذا تعلمه جميع الناس (16).
لقد اقتبسنا، في الفترة الأخيرة للعهد العثماني نصوص المتقدمين الدستورية، لكننا لم نعتد بعد ممارسة هذه الأصول ممارسة فعلية. وأضعنا السابقة الشرعية لانتخاب الخليفة الأول أبي بكر (ر) بالبيعة أي بالاتخاب، فهدرنا أصولنا الشرعية ومقتبساتنا الدستورية، لتناوب الحكام تناوباً سلميّاً اختياريّاً. فاستشرت بيننا الفتن والانقلابات، منذ مقتل عثمان الخليفة الثالث حتى يومنا هذا (17).
إن وعينا واقع تخلفنا هو المستلزم الأول لتحررنا منه، ولاعتمادنا النموذج المستقبلي ال يحررنا منه. والنموذج يمكن أن يكون مستخلصاً من وقائع حاضرنا، أو من إنجازات ماضينا، أو من الظواهر العصرية لتقدم الآخرين. وكل هذه نماذج سرابية. فالنموذج الكلي، الذي لم نضعه بعد هو ذلك الذي يدعوه الباحثون المستقبليون النموذج المضاد. إنه النموذج المستخلص من طاقاتنا الكامنة لا من وقائعنا الزائفة. وإذا كنا نعتبر أن الإنسان هو إمكان لم يتحقق بعد، فكيف بالإنسان العربي بصورة خاصة وبإنسان العالم الثالث بصورة عامة؟ إنه إنسان تحرر من التبعية السياسية للعالم المتقدم، ليجد نفسه أسير تبعية ثقافية تذهب بهويته أو تبعية اقتصادية تذهب بحريته. فيكون النموذج المنشود نموذج التحرر الذاتي من أي شكل من أشكال التبعية، التي تتجلى الآن أسوأ ما تتجلى في أزمة المديونية، لنتطور في مصعد الحرية الحقيقية، التي تتقبل التكافؤ لا التفاوت في التعاون، لئلا يقترن التعاون بشروط تجعله شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار. والتخوف من خطر هذا الاستعمار الجديد حمل الاتحاد العالمي المستقبلي على أن يعقد مؤتمراً في داكار في كانون الثاني 1980، دعا إليه الذين يوصفون بأنبياء تحرير العالم الثالث من التخلف، من أمثال المونسنيور هلدر كامارا البرازيلي، والأب بيير الفرنسي، وإيفان اليتش الأرجنتيني وغيرهم. وكان موضوع المؤتمر “تحرير المستقبل من الاستعمار”. وتحدث فيه مهدي المنجرة، الباحث العربي المستقبلي، ورئيس الاتحاد، مفنداً سياسة بنك الإنماء الدولي، الذي يركز في سياسته التسليفية لدول العالم الثالث على الحاجات الأساسية، ويتغاضى عن المتطلبات التطويرية، ونافياً أن تكون الاعتبارات الإنسانية وحدها هي التي تملي على البنك هذه السياسة، ومؤكداً أن الدول النامية لا تستطيع أن تؤمن لنفسها هذه الحاجات لأنها غير مستقلة استقلالاً حقيقيّاً. وعزا تبعيتها لثلاثة عوامل : العامل الأول هو التربية التي تهدف لاستبقاء الواقع لإنماء جميع الموارد الإنسانية، والعامل الثاني هو عملية نقل العلم والتكنولوجيا التي لا تحرك في ركابها إلا القيم الغربية، والعامل الثالث هو ضعف التعاون بين دول العالم الثالث الذي يحرم شعوبه من الاعتماد على الذات، وهو طريق من طرق الخلاص (18).
إن العرب لم يضعوا بعد نموذجهم الذاتي المستقبلي، الذي يحدد أهدافهم للتطور من التخلف للتقدم كما يحدد وسائل هذا التطور. ولكنهم يتراوحون بين نماذج تعاني أزمات، كالنموذج الغربي أو الشرقي، والنموذج الوسطوي، وهي نماذج يتجاوزها الزمن. ويحسن أن لا يُقتصر في وضع النموذج على الحسابات الرياضية، والمعدلات الإنمائية الإحصائية وحدها، لأن التاريخ لا تصنعه الحسابات ولا المعدلات الاقتصادية، بل تصنعه روح الإبداع وإرادة الخلق. ولذلك ينبغي أن توضع الإحصاءات والمعادلات في سياقها التاريخي الحركي. واستقلال العرب ببترولهم عام 1973، ورفعهم لأسعاره لمستواها القويم، لم يكن أحد من الغربيين يحسب له حساباً. وما أزال أذكر قطباً من الأقطاب البتروليين الغربيين، يقول لي، وقد التقينا صدفة في الطائرة : إنه ليس هناك حاكم عربي، إلا ونستطيع أن نتدبر أمره. فأجبته بأنه يخطىء، لأنه يتحدث بتروليّاً ولا يتحدث تاريخيّاً، والحدث التحريري البترولي كان حدثاً تاريخيّاً، ولم يكن حدثاً رياضيّاً. ولولا انتصار العرب في مستهل حرب تشرين الأول 1973، لما وقعت الثورة البترولية. إن أرواحنا هي أثمن من بترولنا. بذلناها كما يجب أن نفعل فاستعدنا السيادة على بترولنا كما يجب أن تكون.
إننا الآن أمة مأزومة ولسنا أمة مهزومة. وإن “… هذه الأمة كانت تستطيع لو اختلفت المقادير أن تستعيد نتيجة لمعركة 1973 كل شبر فقدته نتيجة لمعركة سنة 1967. ولست أنا القائل بذلك، وإنما أستشهد بمحاضر اجتماعات “هنري كسينجر” مع قيادات إسرائيل بنصوصها المنشورة كاملة في كتاب “ماتي جولان” عن المفاوضات بين وزير الخارجية الأميركية وزعماء إسرائيل، وبالذات جلسات يوم 16 ديسمبر (كانون الأول). وهي واردة في الصفحات 151،152،153 من هذا الكتاب، الذي حظر نشره في إسرائيل” (19).
إن غاية النموذج المستقبلي المنشود هي أن لا نكون أمة مهزومة ولا مأزومة بل أمة منصورة وميسورة. فلا بد أن يكون النموذج وليد رؤية تاريخية تصل ما بين حاضرنا وماضينا ومستقبلنا وصلاً خلاقاً. والتاريخ هو الآن، تحت وطأة حركة الخلق الصاعقة، ما بين الأدمغة الإلكترونية والأقمار الصناعية. إن التاريخ هو تاريخ المستقبل، بل إنه اختراع المستقبل (20). ولكننا نحن قوم ذوو رسالة تعلو الزمان والمكان. ولذلك لا يضيرنا في شيء أن نعطي الأولوية للمستقبل ما دام الزمان عندنا لحظات خلق لا نهائية.
وإذا اهتدينا بحركة الماضي القريب، لنستدل بها على ما ستكون عليه حركة المستقبل، لوجدنا أن وطننا العربي كان ما بين القرن السابع والرابع عشر مركز الثقل في الازدهار العالمي والتقدم الإنساني، وأخذ يتحول المركز ما بين القرن الرابع عشر والتاسع عشر إلى أوروبا الغربية، وانساب في القرن العشرين إلى القارة الأميركية الشمالية، وها هو يتخذ سبيله إلى القرن الحادي والعشرين، إلى ضفتي المحيط الهادىء الأميركية والآسيوية. فباقتراب العام ألفين، تتحرك اليابان والدول الآسيوية المجاورة لها نحو السيطرة على الاقتصاد العالمي. وسيصحو الأميركيون ذات يوم في القرن الحادي والعشرين، ليجدوا أن اليابات وكوريا الجنوبية والصين تبيع السوق الأميركي أكثر مما تشتري منه (21). وهذا ما يستدعي نموذجنا المستقبلي، أن لا يكون منفتحاً على الغرب الأميركي والسوفياتي والأوروبي فحسب، بل أن يكون أكثر انفتاحاً على الشرق الآسيوي، الذي كان بالأمس متخلفاً، وسيصبح في الغد طليعة التقدم.
ولو توفر لنا الوعي الكوني الشامل في السبعينات، لاستعدنا دورنا التاريخي، كأحد مراكز الثقل في الازدهار العالمي، لأن كل مراكز الازدهار التي ذكرنا، كانت تستمد طاقة ازدهارها، ما بين خليجنا العربي ومغربنا العربي. فتوالت علينا الويلات، منذ أن تلألأ نجمنا في الأفق، من فصل مصرعنا في كامب دافيد، إلى حرب لبنان، إلى حرب الخليج، إلى حرب جنوبي السودان، إلى حرب الصحراء الغربية، التي أخذ التاريخ يكشف أنها حروب، شنت بالوكالة عن إسرائيل. وها هي الإفادات أمام مجلس الكونغرس أظهرت أن رئيس حكومة إسرائيل هو أول من فاتح الرئيس الأميركي بالتورط في الحرب العراقية الإيرانية، وأن الاستخبارات الأميركية كانت تزود الشقيقتين المتحاربتين بمعلومات مضللة عن قدرات كل منهما العسكرية. وحادثة عين الرمانة، التي أشعلت الحرب اللبنانية عام 1975، كان عملاؤها إسرائيليين. والانفصاليون السودانيون يحاربون بأسلحة إسرائيلية. وهناك دلائل على أن إسرائيل تذر قرنها في حرب الصحراء. ولكن إسرائيل التي تفعل كل هذا لاستنزاف طاقتنا في حروب وفتن فيما بيننا هزتها ثورة الحجارة، وأظهرت أنها إذا استطاعت أن تتغلب لحين على دول، فإنها لن تستطيع أن تتغلب على شعب يريد الحياة بكرامة. وحركة إخواننا في فلسطين إن هي إلا رمز لحياة الكرامة التي يريدها شعبنا العربي كله من الخليج إلى المحيط. “إن الأمة كانت تستطيع ولم يكن العيب في شعوبها. ولو وقفنا وحققنا فيما استطاعت هذه الأمة انجازه من مهام في هذا القرن العشرين لوجدنا أن ما أنجزناه يدعونا إلى الأمل ولا يدعونا إلى اليأس” (22).
ولذلك يجب أن يكون نموذجنا المستقبلي نموذج سلام بين العرب أنفسهم، وبينهم وبين جيرانهم المسلمين، لا نموذج سلام مع إسرائيل، لأن إسرائيل تريدمنا الاستسلام ولا تريد معنا السلام. السلام بيننا هو المستلزم الأول لأي سلام مع الآخرين. وضع الأميركيون دستورهم الاتحادي في فيلادلفيا في نهاية القرن الثامن عرش، لئلا تنشب بين ولاياتهم الحروب، التي كانت تتأكل الدول الأوروبية التي هجروها، ولكيلا تكون ولاياتهم، واحدة بعد الأخرى، هدفاً لغزوات أوروبية، بعد أن خاضوا حرب الاستقلال ضد بريطانيا منتصرين. والعرب خاضوا حروب الاستقلال منتصرين ضد بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. ولكنهم خاضوا عملية التوحيد مهزومين، لأنهم أسسوا الجامعة العربية مظلة للتجزئة، ولم ينشئوها نواة صلبة للوحدة. فعليهم أن يعتبروا بهذه السابقة، وما جرته عليهم من ويلات وكوارث، ليجعلوا من نموذجهم المستقبلي نموذجاً وحدوياً لا نموذجاً تجزيئيّاً.
إننا نقدم هنا النموذج المستقبلي العربي، أي مستقبل الإنسان العربي كما يجب أن يكون. لأننا التزمنا بالنموذج المضاد لا بنموذج التكرار. فنحن لا نريد أن نعيد حاضرنا ولا أن نستعيد ماضينا، إلا بما ينضوي تحته من إنجازات رائعة لخيرنا ولخير الإنسان. فحاضرنا تخلف، ولكن مستقبلنا تقدم. وحاضرنا تجزئة، ولكن مستقبلنا توحد. وحاضرنا اضطراب وتحارب، ولكن مستقبلنا سلام وتحاور. وحاضرنا تقليد ومحاكاة، ولكن مستقبلنا خلق وإبداع. إن حضارة الإنسان هي في حالة تطور نوعي يقوده الدماغ الإلكتروني والمركبة الفضائية. وإنسان الغد هو، كما يتصوره العلماء المستقبليون إنسان “المثوى الإلكتروني”، الذي سيكون مسكنه، ومعلمه، وإنسان المدن الفضائية المتواصلة مع المدن الأرضية (23) وليس لنا من عذر في التخلف عن مثل هذا التطور إلا افتقاد الإرادة الخلاقة والعقل المخطط والسياسة الصانعة للحضارة. ويذكرنا التاريخ، بأننا كنا رواد صناعة الحضارة أكثر من مرة، فلماذا لا يكون الإنسان العربي رائد حضارة القرن الحادي والعشرين ؟
لماذا لا يكون الإنسان العربي رائد حضارة الغد، على أن يتوَّجها بالقيم العلوية، التي حمله الله أمانة إبلاغها لجميع البشر ؟ أو ليس من حمل الأمانة، وصنع منها حضارة منذ القرن السابع، وصنع قبلها أولى الحضارات، بقادر على أن يكون من رواد حضارة القرن اللحادي والعشرين ؟
*الهوامش :
(1) ندوة العلم والفنون في دبي ، مارس 1988.
(1) حسن صعب، إعجاز التواصل الحضاري الإعلامي، دار العلم للملايين، بيروت، 1985، ص:17.
(2) القرآن الكريم، س 106،آية2.
(3) حسن صعب، المقاربة المستقبلية للإنماء العربي، دار العلم للملايين، بيروت، 1979، ص 115.
(4) القرآن الكريم، س 17، آية 85.
(5) حسن صعب، الإنسان العربي وتحدي الثورة العلمية التكنولوجية، دار العلم للملايين، بيروت 1981، الطبعة الثانية.
(6) الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، راجع حسن صعب، تحديث العقل العربي، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، بيروت 1983، ص57.
(7) Arthure Koestler d’Israel
(8) قسطنيطين زريق، نحن والمستقبل، دار العلم للملايين، بيروت، 1977، ص 229.
(9) محمود زايد، علم المستقبل في وقتنا الحاضر، مجلة الفكر العربي، 15 آذار (مارس) 1979، ص26.
(10) George Hegel. The philosophy. Collier. New York
(11) قرآن كريم، س 3، آية 140.
(12) George Sarton. Islamic Science, in Cuyler Young. Editor. Near East Culture and Society. Princeton. 1951.p.86.
(13) Hassan Saab. The Arab Federalists of the Ottoman Empire. Jumbattan Amesterdam. 1958.
(14) Malek Ben Nabi. La Vocation de L’Islam.
(15) محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الاسلام، ترجمة عباس محمود العقاد، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1968.
(16) حسن صعب، علم السياسة، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادسة، 1981 ص43.
(17) حسن صعب، الإسلام وتحديات العصر، الطبعة السادسة، آذار (مارس) 1983.
(18) Le Monde. 30 Janvier 1980.p.42 “Decolomier le Futur”.
(19) محمد حسنين هيكل وهواجس مستقبلية، نشرة منتدى الفكرالعربي، كانون الثاني (يناير) 1988، عمان، ص 8.
(20) Denis Gabor, Inventons le Futur, plon, paris.1963.
(21) تقرير خاص، قرن المحيط الهادىء، هل تتدهور أميركا؟ مجلة نيوزويك، 22 شباط (فبراير) 1988، ص 8.
(22) محمد حسنين هيكل، نفس المرجع، نفس الصفحة.
(23) Alvin Toffler, The Third Wave, William Morrow and Company, New York 1980.

*المصدر : مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث – امانة السر : محمد ع.درويش.


Hosting and support by