أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة و فن / حسن صعب الكاتب بقلم: د. روحي البعلبكي

حسن صعب الكاتب بقلم: د. روحي البعلبكي

حسن صعب الكاتب
بقلم: د. روحي البعلبكي

حسن صعب الكاتب
” يَرفَعِ اللهُ اللذيِن آمَنوا مِنكُم و اللذِن أُوُتُوا العِلمَ دَرَجَاتِ و اللهُ بِمَا تَعمَلُون خَبير” “المجادلة/11”
إذا كان لكل عبقري في ميزان التاريخ ثقل نوعي تختصر به طاقاته، وتحد أبعاده، فإن لحسن صعب، المتعدد الجوانب، المتنور المواهب، فوق الثقل المميز، بصمات خالدة، وأصداءٌ مدوية، وشعلات باهرة، ومحطاتٌ – معالم، ومواقف حواسم، ودروس هي للناس عِبَرٌ وفِكرَ.
مهما حاولت أن تختصر حسن صعب في سجلات هيرودوتوس وأمام بوابة التاريخ وفي حضرة مطرقته الكبرى، فإنك لا بد عاجز عن أن تغفل أياً من تلك الجوانب – الآثار. فحسن صعب، بما سطّر وبشّر، يتحداك أن تكون منصفاً ، وأن تنسى، مع ذلك، واحداً من ينابيع عطائه المتدفق. ولذلك ، فأنت لن تنسى مدرسته الإنمائية، ولن يفوتك فكره الديني، ولا السياسي أو الفلسفي أو الإعلامي أو التربوي أو الاجتماعي، ولن تغيب عن بالك نظراته وآراؤه في الحضارة والثقافة والعروبة والاسلام والانسان والكون والمستقبل.
ويخلبك في حسن صعب أنه خاض الكتابة في كل هذه الميادين، بل واكثر، فأبدع في كل جملة دبجها وفكرة صنفها. وهو، الى ذلك، مطبق لما يعلن، ممارس لما يلقن. وهو محب اليك قوله، مقنع إياك بكلمته. شامخ كالطود، ومتواضع كالنهر. يستشرف آفاق المستقبل، وينطلق بك مسرعاً الى أقصى المدى. الانهزامية أولى ضحاياه، والوعي ضالته ‏المنشودة.
‏وعليه، فلعل اقل ما يقال في حسن صعب هو أنه كاتب، مع أن اعظم ما في حسن صعب هو أنه كاتب.

أولاً      : موضوعاته
‏ما ترك حسن صعب موضوعاً فكرياً إلا وطرقه.
‏1 –  كتب في علم السياسة، فردم الهوة ما بين الفكر السياسي والحياة السياسية. وشرح البعد الوظيفي لعلاقة الحاكم بالمحكوم ، معتبراً أنها تقوم على أساس الثقة والاحترام والتكافل والتضامن ، لا التأليه ولا الازدراء. ولخص علم السياسة بأربع كلمات ، إذ قال ” موضوعه القدرة و غايته الحرية”.
واستخلص في كتابة “علم السياسة” قواعد علمية، بعضها ثابت والآخر متحرك ، مستقرئاً إياها من نزعة الإنسان إل تجسيد تطلعاته السياسية المثالية في النظم السياسية والسلوك السياسي والقيادة السياسية. وهو القائل : “إن تحسين الحكم رهن بفقه السياسة، أي بفهم حقيقتها وقوانينها وحركياتها فهماً وضعياً مستقيماً “. وهو الملقن دارسي علم السياسة أن يحققوا غاية السياسة الحقيقة وهي رد الاعتبار الإنساني لكل إنسان.
‏وترجم كتاب “تكوين الدولة” لروبرت ماكيفر، لأنه لمس أنه بالرغم من تعمق مؤلفه في استكناه الظاهرة السلطوية المكيافيلية، فإن هذا التعمق لم يفقده مثاليته الإنسانية، وشغفه بالحرية ، وحبه البحث عن الحقيقة على هدي العلم. وفي هذا الكتاب يقول حسن صعب إن العرب لم يدرسوا بعد تجاربهم السياسية الماضية والراهنة دراسة علمية، وهو يسأل أن تسهم تربته هذه في تعزيز الاهتمام العربي بدرس الظاهرة السياسية درساً منهجياً.
2 –  وكتب في الإسلام خصوصا، والدين عموما، ولا سيما في كتبه الثلاثة “إسلام الحرية لا إسلام العبودية”، و “الإسلام وتحديات العصر”، و “الإسلام والإنسان”.
‏آمن حسن صعب با لله إيماناً عميقاً، ورأى وحدانية الإسلام أهم عقيدة لترقي الإنسان وتقدمه ، ووعى ان القرآن الكريم أقوم منهاج لمعراج الكمال الذاتي. ولأن توحيد الله هو تحرير للبشر من كل ما يفرقهم ، فا لله سبحانه هو المحرر الأول والآخر، وهو الموحد الأول والآخر. والله هو مقياس كل وجود، وهو سبحانه مقياس كل موجود. وغاية القرآن هي أن يحرك في الانسان وعيه الأعلى بعلاقته با لله وبالكون. وإن المفهوم القرآني الكلي للعمل وللإنسان وللحرية يتلازم مع مفهومه للحكم وللتنظيم الإنساني المستقبلي الأفضل.
‏إن إعجاز الإسلام الأكبر، كما يراه حسن صعب، هو أنه يمثل البعد الأزلي فى نفس الإنسان وحياته. والإنسان الذي يفرض علينا القرآن أن ننشده ، هو إنسان يؤمن با لله ‏إيماناً عميقاً وخلاقاً؛ إنسان مؤمن بالحقيقة ، باحثاً عنها بحثاً لا نهائياً؛ إنسان تغمر المحبة علاقته بالكون وبكل إنسان آخر؛ إنسان مؤمن بحرية كل إنسان ، ويصون كرامته وكرامة كل إنسان ، ويقدس حقه فى الحياة وحق كل إنسان؛ إنسان يؤمن بالعقل؛ إنسان يؤمن بأن الانسانيه كلها هي ديمقراطية روحية كبرى تسودها المحبة والحريه والعدالة. إن هذا الإنسان الكامل هو ضاله الإسلام المنشوده.
‏والإسلام ، بمفهوم الدكتور حسن ، ثورة اجتهادية دائمة ، عمادها العمل الفاضل الذى يشكل أساس سُلم القيم فى المجتمع. وحكم الإسلام هو حكم الحرية، لأن سياسة الإسلام هي صناعه الحرية ، ولأن الاسلام كدين ما هو إلا دين الحريه. وينبني على هذا أن كل ما أتى به الإسلام من فكر ومؤسسات هو (أولاً) تطوري، (ثانياً)انفتاحي، (ثالثاً) إبداعي،(رابعاً) مستقبلي.
ولا ينسى الدكتور حسن، بنظرته التوفيقية التحاورية الشمولية أن يلاشئ ما بين الديانتين العظيمتين، من منطلق أن المؤسسة الإسلامية حوارية، بدليل مجادلتها أهل الأديان والفلسفات والإيديولوجيات بالتي هي أحسن. وكان يعلن أن رسالة المسيحية والإسلام غايتها إيقاظ وعي الإنسانية بالخالق العظيم المتجلي في نظامية الكون وغائيته، وتحرير الإنسان تحريراً شاملاً. ولبنان، الملتقى الفريد للمسيحية والإسلام، هو التجسيد الحياتي الخلاق لتلك الرسالة.
3 ‏- وكتب في العروبة والعرب وثقافة العرب : “العرب يبدعون مستقبلهم”، “نظرة جديدة إلى الاتحاد العربي”، الإنسان العربي وتحدي الثورة العلمية والتكنولوجية”،”تحديث العقل العربي” إلخ……
‏يعتبر الدكتور حسن أن العرب هم رواد الحضارة عبر التاريخ الإنساني، وأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن إبداعهم الحضاري لأنه سيكون طريقهم الأقوم من التحرر إلى التحضر، ومن التخلف إلى التقدم، ومن التجزؤ إلى التوحد، ومن الاجترار إلى الإبداع. وبذلك سوف يثبتون أنهم أمة الإعجاز لا أمة العجزى لأن العرب، ما هم، في حقيقة الأمر، إلأ أمة مأزومة لا أمة مهزومة .
إن مستقبل الأمة العربية يتوثف على أهليتها للانفتاح والتطور والإبداع. وإن في تواصلها مع سائر الأمم انتصاراً لها، وأي انتصار. ولا بد للعرب من توليد رؤية تاريخية تصل ما ‏بين حاضرهم وماضيهم ومستقبلهم وصلاً خلاقاً . وعليهم القيام بعملية تحول يستبدلون ‏فيها أربعة أزرار قديمة بأربعة جديدة :
‏اولاً استبدال الزر الكلامي بالزر العلمي ، ثانياً استبدال الزر الماضوي بالزر المستقبلي، ثالثاً استبدال الزر الاجتراري بالزر الإبداعي، رابعاً استبدال الزر الارتجالى بالزر ‏التخطيطي .
لم ييأس الدكتور حسن صعب من مستقبل العرب. في كتاباته تشرئب معارضته للقائلين بنهاية الأمة العربية، و يسطع تصديه للزاعمين أن الفكرة العربية قد أفلت.
هذه الثمة التامة بالأمة العربية وبمستقبلها تنبع، لدى حسن صعب ، من موقف إيماني ملتزم. وهو يرى أن موقفه لا يتنافى في شيء مع المناهج العلمية للبحث المستقبلي. فإسرائيل ليست سوى عرض زائل، في حين أن الأمة العربية جوهر خالد. وإسرائيل تقوم على أكذوبة استراتيجية، وأكذوبة دينية، وأكذوبة حضارية.
‏ويعتبر حسن صعب أن انتفاضة الحجارة التي يقوم بها شعب فلسطين هي أروع ما عرف تاريخ الإنسان من ثورات ، ‏وأن أمام العرب اليوم فرصة تاريخية نادرة لتحرير الأراضي ‏الفلسطينية المحتلة.    
وبكلمه، إن قدر العرب أنهم هم حملة رسالة الكلمة. وهم – إذاً – رواد الثقافة الإنسانية والحضارة الإنسانية. وإن انطلاقتهم الجامدة انطلاقة حتمية. ولبنان بالذات مدعوٌ، ‏بفضل عبقرية شعبه وتمسكه بالديمقراطية، لأن يكون رائداً نهضوياً يقوم في تلك الانطلاقة العربية العارمة بدور طليعي.
4 ‏- وكتب فى السياسة، متوجاً كتاباته بكتاب “لبنان العقل لا لبنان العنف” حيث أعلن مبدأ “هويتي هي حريتي”. وفيه درس السياسة اللبنانية القائمة على توحيد لبنان، ورسم نظاما جامداً للبنان جامد، جوهره الديمقراطية ومضمونه الفكر. ورأى أن الحروب الضاريه على أرض لبنان تعطي الدليل الحاسم على أن العنف ليس حلاً ، ‏وأن لبنان إما أن يكون بلد العقل أو لا يكون. ولأن لبنان هو الوجه الحضارى الذى يطل به العرب على العالم، فإن إسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى بهدم الكيان اللبنانى التعايشي.
المطلوب من لبنان أن يعي حقيقة ذاته وعياً تكاملياً، لا وعياً تجزيئياً تفتيتياً. ولا بد من سيادة عقلية وسياسة في الحكم، وقيم في المجتمع ، غير تلك التي سادت حتى الآن.
‏إلا أن إشكالية السياسة ليست ، عند حسن صعب ، سوى إشكالية صناعة الحضارة. وإن فهم هذا التوجه يفسر، بعامةٍ ، كتاباته السياسية المختلفة.
5 ‏- وكتب في الثقافة والإعلام والتربية. فاعتبر أن الثقافة هي المميز الأول لحياة الإنسان. ورأى في مؤلفاته الأولى أن الثقافة نتاج فكر، وأن الحضارة نتاج سلوك. ولكنه اعتمد، في مؤلفاته الأخيرة ، المفهوم الأنتروبولوجي الموسع للثقافة الذي يمتد إلى السلوك والعادات الناشئة عن تأثير المفاهيم والتصورات والقيم المنبثقة من النتاج الفكري ، فيقترب بذلك مفهوم الثقافة من مفهوم الحضارة. وبذلك يصبح التزام الأمة بثقافتها التزاماً بنمط تفكيرها ونسق حياتها، أي بمعنى وجودها.
دعا حسن صعب إلى التواصل والتفاعل بين مختلف الثقافات ، مع المحافظة على الاستقلال والتكافؤ فيما بينها. وآمن بأن أمتنا العربية هي أمة الثقافة ، وحدد مصير ثقافتنا العربية بأنه هو مصير أمتنا العربية.
‏ولفت إلى ضرورة اصطناع سياسة إعلامية ثقافية تستند إلى استراتيجية تخطيطية تنشيطية، تقضي على التخلف وتنمي الإبداع الثقافي الذي هو حق كل إنسان ، وإمكان كل إنسان بالقوة حتى نؤهله لإنجازه بالفعل. وتاق إلى إرساء قواعد التلازم بين الإعلام والثقافة، انطلاقاً من قناعته بأن الإعلام هو عملية تثقيف. وألح على أن تلتزم ثقافتنا المعاصرة الجدية المنهجية، لأن المستلزمات الأهم لتقدمنا فكرياً ومعرفياً وحضارياً وإنمائياً هو المستلزم المنهجي. وأكد على أن حرية الخلق والإبداع هي أعمق وأسمى تحديات عصرنا الحديث.
‏ورأى في التربية عاملا أولياً حاسماً في إنماء الموارد الإنساية كافة. وخطط لصيرورة الجامعة مصنعاً خلاقاً لجيل الغد وقادة الغد، في إطار نظام تربوي مستقيم المراحل، ابتداء من روضة الأطفال وحتى الجامعة. وأوضح الأسس التي ينبغي اعتمادها في مراجعة النظام التربوي مراجعة كلية. وربط تقدم المعرفة بالبحث العلمي، واشترط في الصروح الجامعية العصرية توفر روح الابداع، والرياضة المنهجية، والخيال الباحث عن الحقيقة ، والعمل على ردم الهوة القائمة بين القيم والمعارف. عندئذ تتحول جامعاتنا من مجرد مصانع شهادات الى منبثقات عبقريات و دوحات قيادات.
6 ‏- وكتب في الإنماء كتباً عدة. في “المقاوبة المستقبلية للإنماء العربي” يستخدم الدكتور حسن منهجية البحث المستقبلي لاستخلاص توقعات مستقبلية علمية متبلورة ومنمذجة. وهو يبني كتابه على فكرة أن الإنسان هو غاية الإنماء ورأسماله الأول، ويحدد آفاق النمذجة الإنمائية الشاملة، مع تطوير لبنان الإنمائي كنموذج للمقارنة. ويختتم بحثه برسم النموذج الإنمائي العربي لعام 2000.
أما في كتابه “إعجاز التواصل الحضاري الإعلامي “، فيعالج علاقة التواصل الإعلامي بالإنماء، ويؤطر مشروع الوكالة العربية الدولية للأنباء، الذي لا بد أن تنفذه المؤسسات العامة والخاصة، توصلا إلى تحريك الفكر الإعلامي العربي تحريكاً إبداعياً.
الإنماء ، ‏بمفهومه، جهد متواصل ينكب على توعية عقلانية وتعبئة إبداعية لكل إنسان من أجل العمل الخلاق الهادف إلى تطوير كل إنسان، أي في سبيل تقدمه وتحرره. لقد تحرى ‏دواخل الإنماء كعلم وممارسة، وكوسيلة إنسانية مستقبلية لإحياء الإنسان ولاستمرار الحياة. وقرر أن نسغ الإنماء هو رفاه الإنسان أينما كان. ورأى أن للإنماء معايير قيمية تفوق في أهميتها القيم الحسابية. ورسم آفاق، العمل الإنمائي ، ‏وحدد خريطة البرامج الانمائية المؤدية إلى مدينة الغد، المدينة الكونية لحقول الانسان ، ‏التي طالما تطلع إليها و اعتبرها مدينة رؤيته الإنسانية المستقبلية.
7 ‏- وكتب عن معاناته الكتابية وعن نفسه ككاتب ، ولا سيما من خلال رائعته “أنا أكتب فإذا أنا موجود”. في هذه المقالة يقول : “الفكر والكلمة ملازمان لوجودي الإنساني.أنا أفكر وأكتب لأقهر الزمان والمكانن وأنتصر عليهما بالأزل -! ولكنني أكتب أيضاً لأعيش ! فمهنتي هي أن أفكر وأن أكتب! وقد أولعت بها أنبل المهن !  ولكنني رفضتها مهنة وفضلتها رسالة! فعانيتها أسمى وأقسى مهنة !”
8 ‏- ومن كتبه أيضاً وأيضاً :
‏- المفهوم الحديث لرجل الدولة

  • ثورة الطلاب في العالم
    ‏- الوعي العقائدي
    ‏- اليونسكو
    ‏- مقدمة لدراسة علم السياسة
    ‏- الدبلوماسي العربي : ممثل دولة أم حامل رسالة ؟
    ‏- شخصيات عرفتها وأحببتها
    9 ‏- ومن مؤلفاته بالانكليزية :
    ‏¬- الفدراليون العرب في السلطنة العثمانية
    –    الصهيونية والعنصرية
    ‏10-  ومن ترجماته إلى العربية :
    ‏- الديمقراطية ، للرئيس بنيش
    ‏- الأمم المتحدة، للدكتور بارين
    ‏- مناهج الدراسة الخارجية، لمكريديس
    ‏- أوروبا الجديدة ، لستيفن جرو بارد
    11-  من مشاركته في تأليف الكتب التالية :
  • حركيات الحياد العربي (بالانكليزية)
  • سياسات لبنان (بالانكليزية)
  • النهضة العربية (بالفرنسية)
    12 ‏- كما أشرف على “وساهم في تحرير” ما لا يقل عن أربعين كتاباً إنمائياً أعدتها ندوة اللدراسات الإنمائية التي أسسها وكان أمينها العام طوال ربع قرن.
    13 – وله، إلى جانب كل هذه ‏المؤلفات ، مئات المقالات المبثوثة في الصحف والدوريات العربية والأجنبية. و كانت آخرها مقالته المنشورة في جريدة “النهار” اللبنانية قبل أيام قلائل من وفاته، وعنوانها “لما الحرب بعد الآن”. هذه ‏المقالة تختزن خلاصة خبرته ، وتختزل زبدة نظرياته.
    14 – وبالإضافة إلى مئات المحاضرات التي  ألقاها في لبنان والخارج ، اشتهر بقدرته الفذة على صياغة بيانات توفيقية جامعة وتوصيات توازنية رائعة للعديد من المؤتمرات والندوات.
    15 – و لم تغب عن باله إعلانات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، فكانت آخر وثيقة حررها هي “إعلان حقوق الانسان وواجباته الإنمائية ” قبل ثلاثة أشهر من رحيله.
    ثانياً       :مميزاته الأسلوبية و الفكرية
    1-    حسن صعب كاتب غزير الإنتاج، متدفق العطاء، سيال اليراع.
    2-    أسلوبه رقراق متماوج، و ذو كيمياء خاصة. و لذلك، فعلى الرغم من تعدد أنماطه الكتابية، فإنك تدرك من الجملة الأولى من كتابته أنه كلام حسن صعب و أسلوب حسن صعب.
    3  ‏- النص الكتابي عنده بناء متماسك، ذو مداميك مرصوصة، وفقاً لهندسة محكمة. وهو يدير موضوعه حول فكرة محورية يوسعها ويطورها حتى يقتلها توسيعا وتطويراً. ولكنه يفاجئك أحياناً بنزعة تجنح به نحو الاستطراد. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه لا يجد حرجاً في الانتقال من فكرة إلى أخرى بسرعة صاروخية ليربط بين متناقضين ، أو ليمزج بين متنافرين ، أو ليوحد بين متمايزين.
    4  ‏- عبارته انسيابية مصقولة، وجمله مقتضبة ، قصيرة، مباشرة، صاعقة، هادرة. يعشق ‏الفقرات القصيرة المتلاحقة التي تتكون كل فقرة منها من جملة واحدة فحسب.
    5  ‏- له جرس كتابي خاص يتبدى لك وقع حوافر خيل تتناهب أرضاً فرشت ناراً.
    6 – معجمي النفس، يصوغ تحديدات مباشرة لمعظم مفرداته وأفكاره، ويكثر من التعريفات المتنوعة لمفردة واحدة أو لفكرة واحدة. وقد تختلط تعريفاته، وتتشابك تحديداته، فتخلق شيئاً من تعقد في المفاهيم والصيغ.
    7  ‏- ولكن تبقى فصاحته إبلاغية ، انسجاماً مع قول العرب إن أفصح الكلام أصدقه في الإبلاغ والإبانة.
    8 ‏ – حسن صعب الكاتب صياد أفكار، وصائغ أحلام، وحافز همم. يغوص في يم الأفكار غوص الصيادين وراء اللؤلؤ، ولا يعود إلا بالطريف النادر. وهو يقلب الفكرة التي طلع بها، ثم يسلكها في سلسلة آرائه ، محاولا أن يرفق بين وجهات نظر متبانية ، صاهراً للتناقضات، ومعقلناً للرؤى، ومعصرناً للاتجاه.
    9 –  يهوى ابتكار المصطلحات، ونحت التراكيب، وتوليد المفردات. وهو أول من استعمل كلمة “مقاربة” في اللغة العربية كمقابل لكلمة approach الانكليزية ، وأول من أدخل الى العربية كلمة “تنظير” مقابل كلمة theorization  الانكليزية أي وضع النظريات. ولا تخلو تسمياته من طرافة مقصودة :
    “ثقافية” (التي أصر على إطلاقها اسماً للحركات الثقافية في انطلياس)، كما أن اشتقاقاته قد لا تخلو أحياناً من غرابة: “دمغنة”، “لحظنة”، “تعبقر”، “تصير”، إلخ…
    10 – و هو مولع باستعمال باء النسبة: “لحظوي”، “ذاكري”، “تلكراسي”، “ماكروكوسمي”، “حريوي”، “ركودي”، “اغتياليون” إلخ …
    11 – كما بكثر من استعمال أنواع الاستفهام المختلفة، كالاستفهام التقريري، والاستفهام النفيي، والاستفهام الإنكاري، والاستفهام التحريضي، وذلك تبطيناً لغاية استنهاض قارئه للارتقاء إلى الأفضل. والحق أنه لاتكاد تخلو قطعة واحدة مما كتبه من ‏ذلك الاستفهام.
    12 ‏- وحسن صعب الكاتب مشغوف بالتعميم. تسود إنتاجه نزعة تعميمية ، إطلاقية. ولعل مرد ذلك إلى أنه يكره أنصاف الحلول، فهو غالباً ما يعلن أن مسألة من المسائل إما أن تكون كما يجب لها أن تكون، أو أن لا تكون.
    13 – وهو ينظر إلى معظم القضايا نظرة شمولية، كلية ، كونية ، إنسانية، توحيدية، جامعة. كما يخالجه تطلع دائم نحو الوحدانية في جل الأمور، يتجمعد في محاولته إخضاع كل وجه وشأن الى المبدأ الواحد الموحد. فإنماؤه إنماء كل إنسان وكل الإنسان. والثقافة المرجوة لديه هي ثقافة الإنسانية الواحدة، في إطار الحاضرة الكونية الواحدة ، حيث تسود رؤية وحدانية الله، ووحدانية الحقيقة، ووحدانية القيم العلوية، ووحدانية الإنسانية.
     
    14 – ويندرج في هذا السياق ميله إلى التجريد، أي استخراج الماهيات ذهنياً من الموجودات والارتقاء بها من المحسوسات والجزئيات إلى الكليات العامة. على أنه يظل متحرياً الدقة، ومتقصياً التفاصيل ، تجنبا للغموض.
    15 – وحسن صعب الكاتب موثق لكل ما يكتب. فقلما خلت كتاباته من لائحة ‏طويلة بالمصادر والمراجع التي استند إليها، وهي غالباً ما تضم عناوين كتب ودراسات لمؤلفين عرب وأحانب، بالعربية والإنكليزية والفرنسية (وهي لغات أتقنها جميعها وكتب بها شخصياً ). ومعظم مراجعه كانت متوفرة في مكتبته المنزلية الثرية التي كانت تغنيه عن الا ستعانة بالمكتبات العامة. وكان يقرأ ذخائر مكتبته الخاصة باستمرار.
    16 – وهذا ما أعانه على أن يكون د‏ائم الاستشهاد ‏بمقولات كبار المفكرين وإجراء ‏المقارنة بين آرائهم. وهو غالباً ما يقرن بين هذه الاستشهادات والمقارنات من جهة، وبين الأمثلة والحجج المنتزعة من الواقع والتي يسوقها إقامة للدليل من جهة ثانية. وفي ذلك كله، يكشف عن صفاء في الرؤية، ونفاذ في البصرة، وشدة ملاحظة، وعمق تحليل.
    17 ‏- تأثر بأفلاطون ، واقتدى بأرسطو، وأعجب إعجابا عظيما بابن خلدون ، وراقه ابن رشد، واستلهم الفارابي، واستهواه توينبي، واستقى من هيغل وكانت وانجلز وديكارت ومونتسكيو وأوغست كونت. وهاجم أرثر كوستلر.
    18 – حسن صعب الكاتب مستقبلي بقدر ما هو تاريخي. لكنه لم يكن لا ماضوياً ولا كلاسيكياً. أليس هو القائل : ” إن صناعة النموذج المستقبلي الأفضل هي مسؤوليتنا “؟. أما اعتباره الأصالة قناة تحقق الربط بين ماضي الأمة وحاضرها، فإنما ينم عن اتساع أفقه ، و حسن  معالجته. فمثلما رفض التقوقم في الماضي، رفض أيضاً الانسلاخ عن جذور الذات وأصول التاريخ ، خشيةً من فقدان الهوية والوقوع في الغربة. احداثه لايجوز أن تتنكر للتراث، وإلا انقلبت الحداثة اغتراباً عن الذات.
    ‏ والمنطق عينه بألا نتكبل بالتراث، وإلا أمست التراثية انكفاء عن المعاصرة.
    19 – وعلى المنوال ذاته، استطاع أن يزاوج بين عراقة الشرق وتكنولوجية الغرب في انفتاح مدهش ورهافة صادقة.
    ‏20- على أن كل كتابات حسن صعب قد استهدفت غايتين إنسانيتين أساسيتين، شكلتا المحورين الدائمين لإبداعه : العقل والحرية.
    ‏فيما يخص غايته الأول، آمن حسن صعب بالعقل هادياً ومميزاً وقيمة لجميع بنى البشر. وعندما دعا إلى ثورة منهجية في نظرة الناس إلى السياسة ، اختار منطلقاً لثورته تحكيم العقل المرتاب في مسلماته الخاطئة، لأننا إذا أحسنا استعمال العقل استطاع أن يحررنا من سلاسلنا. ولذلك، فإنه كان يعتبر كتابه “تحديث العقل العربي” أهم كتبه على الإطلاق. ولذلك أيضاً، أوجز قضية إنماء الإنسان بأنها إنماء وعيه الذاتي. ومن ناحية ثانية، رأى أن ‏الطموح الأعظم والأقصى للعقل هو الله سبحانه وتعالى.
    أما غايته الثانية – الحرية-، فقد جعلته يعتبر أن الكينونة الإنسانية هي ليست إنسانية إلا بقدر ما هي حرية. فإما أن يكون الإنسان حراً ، أو لا يكون. هذا هو معنى وصفه الكينونة بالصيرورة. وهذا معنى قوله إن الحرية هي الاسم الآخر للإنسان. وبالتالي ، فلا إنماء حقيقياً بدون تحرر حقيقي. فالحرية هي مبدأ الوجود الإنساني، وقاعدة التشريع البنائي السياسي. وإن تطور الإنسان في طريق الحرية هو تطوره الروحي نحو الكمال الذاتي.
    ‏21 ‏- عاب عليه البعض إغراقه في المثالية التفاؤلية الطوباوية ، وبروز سمة الرغبة المفرطة والتفكير بالأماني في الكثير من كتاباته؛ وانتقد البعض الآخر استرساله في مط الأفكار وتحميلها أكثر مما تحتمل؛ في حين هاجم سواهم إيغاله في الترداد والتكرار. وكأني بحسن صعب يجيب : إن مثاليتي هدف أسمى لعملانيتي، فما دامت اليوتوبيا معلمة وغير موهمة، فهي التي تدفع حركة التاريخ لتحقيق يوتوبيا بعد أخرى؛ وإن نمط الافكار وسيلة لإرسالها حتى تبلغ آخر النفق وتنهي المطاف؛ وإن التكرار ترسيخ وتقعيد وتحذير.
    ‏22 – لقد تسنى لي أن أطلع على طريقته في الكتابة والتأليف، نظراً إلى أنه كان يعرض علي، بالإضافة إلى مشروعات كتبه، أفكاراً وموضوعات لنتدارس مدى صلاحيتها للنشر في حلة كتاب. كان يضع تصميماً أولياً من نقاط مقتضبة، ثم يوسعها في فروع متنافسة بنى عليها هيكل مخطوطته الجديدة. وكان يتردد أحياناً في اختيار العنوان، فكنا نتساعد في وضع عناوين كتبه، ولا سيما الأخيرة منها، كما أننا غالباً ما كنا نعدل ونبدل في العنوان إلى أن يقر رأينا على عنوان مناسب قبيل دفع الكتاب إلى المطبعة بساعات قلائل.
    ‏23 – إن قراءة معمقة لحسن صعب تدل على حقيقة ناصعة : الكتابة لديه فعل إيمان متجدد، والتزام غير محدد، وانعتاق لا يتبدد. الكلمة جنته ، والكتاب جنته.
    ‏سلاحه قلمه. امتشقه منذ الثانية عشرة حتى الممات. وعلى فراش الموت كتب كلمات تشجيع ، وحب، ومزاح، ثم كلمات شكوى، واختناق، ووداع.
    24 ‏- ما بارحه هاجس القرطاس والقلم حتى الرمق الأخير. وقد تساءل قبل ساعات من وفاته : ترى هل سيكتبون عني ما أستحقه كماً ونوعاً ؟
    ‏وكانت آخر مشروعاته إعداد برنامج تلفزيوني يبلور فيه حبه للكتاب ، ويبرز دور الثقافة من خلال لقاءات مع الناشرين والمؤلفين. ولكن الأجل لم يتح له تحقيق  ذاك المشروع.
    ‏25 – وبعد رحيله، تبين لنا أن حسن صعب كاتب مذكرات يومية من الطراز الأول. ‏تنم مذكرات، كما كُتُبه، عن وفاء نادر لزوجته وولديه وأصدقائه ، وعن انسجام تام مع ذاته وطروحاته ، وعن تفان في سبيل خالقه ووطنه وأمته وإنسانيته.
    ‏وله آثار عديدة غير منشورة، هي عبارة عن دراسات ، ‏ومحاضرات، ومقالات، ومشروعات كتب.
    26 ‏- وأخيراً، لئن كنت أخشى، يا صديقي الدكتور حسن ، أن يغمطك بعض مؤرخيك حقك، كما غمطك بعض معاصريك حقك ، فإني أقول : حسبك أنك كنت نبراساً هاديا في كلماتك وأفعالك، نبراساً ستستضيء به أجيال وأمم من بعدك. وحسبك أنك جعلت همك صناعة الإنسان المتحضر، الوثاب ، المترقي إلى أعلى مرتبة. وحسبك أنك ما مالأت ولا حابيت، ولا تزلفت ولا داجيت. وحسبك أنك اجتهدت لكي تجعل أمل اليوم حقيقة الغد. وحسبك أنك أطهر الإيثاريين اللاسوداويين. ألست أنت الذي لخصت الدنيا بكلمة “المحبة”، إذ قلت :”إن المحبة هي اسم الأسماء كلها، وهي الاسم الآخر  للكون، لأجلها و بها أحيا و أموت”؟‍!
    ‏ولعل أروع ما فيك أنك كتبت لتقِنن. ما كتبت، يا دكتور حسن، كتابة هامشية ظرفية عابرة. بل كتبت كتابة أبدية سرمدية باقية، بدأت تتشكل منذ الآن، أحافير ومستحثات ‏في أخاديد الزمن الآتي .
    المصدر : مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث .
    امانة السر : محمد ع. درويش

Hosting and support by