أخبار عاجلة
الرئيسية / إقتصاد / إجراءات احترازية متوقعة …

إجراءات احترازية متوقعة …

عدنان أحمد يوسف*

أعلنت لجنة بازل، وهي الهيئة المسؤولة عن وضع القواعد المصرفية الدولية، أن بدء دخول متطلبات رأس المال الجديدة حيز التنفيذ، المقرر أصلا لعام 2022، سيتم تأجيله لمدة عام واحد بسبب الأزمة الصحية العالمية التي فرضها فيروس كورونا أي إلى الأول من يناير 2023. وتم أيضا تمديد الموعد النهائي الممنوح للمصارف للامتثال للقواعد الجديدة لمدة عام واحد، إلى يناير 2028 بدلا من 2027.

ونحن نرى إن هذه الإجراءات الاحترازية كانت متوقعة لدينا حتى ما قبل انتشار جائحة كرونا العالم التي نسأل العلي القدير أن يعين كافة دول العالم على اجتيازها، وأن يعود بالأمن والأمان على أوطاننا والعالم أجمع.

نقول إن هذه الإجراءات كانت متوقعة وأشرنا إليها في مقالات سابقة نشرناها في نهاية العام الماضي حول آفاق نمو الاقتصاد العالمي في العام 2020. كذلك في كلمتنا التي القيناها أثناء الورشة التي نظمها اتحاد المصارف العربية مع الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن خلال شهر أكتوبر العام الماضي ونوهنا إلى أن تداعيات الأزمة العالمية لعام 2008 لا زالت مستمرة بأشكال مختلفة لكون جانب من الأسباب الرئيسية التي أدت لاشتعالها لم تعالج بعد بصورة جذرية وإنما بشكل جزئي، مما يمكن لها أن تهدد مجددا بنشوب أزمة مالية جديدة.

وفيما يخص حديثنا في هذا المقال بخصوص تأجيل تطبيق متطلبات رأس المال الجديدة، فقد أشرنا بصورة خاصة إلى جوانب الضعف التي يعاني منها النظام المصرفي والمالي العالمي، مع إبداء البنك المركزي الأوروبي خشتيه من نتائج استمرار معدلات الفائدة المنخفضة، والتي تدفع المستثمرين نحو البحث عن منتجات وخدمات مالية ذات مخاطر عالية وسيولة منخفضة. كما أدت سياسة أسعار الفائدة المنخفضة إلى زيادة مديونية الشركات بشكل كبير لتستفيد من معدلات الفوائد المتدنية، وشمل ذلك الاقبال الكبير على الاقتراض من قبل شركات غير صلبة تشغيلياً. ويؤكد البنك المركزي الأوروبي أن 45 في المائة من سندات ديون الشركات مصنفة بدرجة «بي بي بي»، أي في الدرجة الاستثمارية الدنيا. بينما زاد حجم السندات ذات العائدات السالبة إلى نحو 15 تريليون دولار.

ففي حال التصحيح المفاجئ لأسعار الأصول المالية، فإن ارتفاع مخاطر القروض الممولة لهذه السندات قد تتفاقم وتحدث خلل في معظم أو جزء أساسي من النظام المصرفي والمالي، وتنتقل العدوى إلى الاقتصاد الحقيقي.

كما سلطنا الضوء على تحذير البنك المركزي الأوروبي من أوضاع القطاع المصرفي الأوروبي. فمنذ بداية العام الماضي لم يتقدم ذلك القطاع كثيراً في رحلة معالجة مشكلاته الهيكلية الخاصة بالعوائد والربحية. كما أن تخفيض معدلات الديون المعدومة والمشكوك في تحصيلها لم يحصل إلا بفضل هندسات مالية معينة، وبفضل تكبير حجم الإقراض الآمن حتى يصغر نسبياً غير الآمن من الإجمالي. لكن إذا طال أمد التباطؤ الاقتصادي، فإن معدلات الديون الرديئة سترتفع أو ستصعب هندستها لتخفيض نسبتها من إجمالي المحافظ الائتمانية.

وعلاوة على هذه المخاطر التي تواجه الصناعة المصرفية، أكدنا على أهمية توقيت تنفيذ المبادرات التي تطلقها الجهات الرقابية المصرفية، والذي يؤدي دورًا مهمًا في تحديد اتجاه النمو في الاقتصاديات. وقد تؤدي بعض المبادرات إلى عكس النمو أو قد تعمّق التباطؤ في الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، أثر تطبيق المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية رقم 9 في بداية عام 2018، خاصة أنه جرى تنفيذه خلال فترة انخفاض أسعار النفط وانخفاض الإنفاق الحكومي، أثر سلبًا على النمو في الإقليم والعالم. فقد توجهت الأهداف الرئيسة للبنوك إلى التركيز بصورة أكبر على تغطية الفجوة في المخصصات التي نتجت عن تطبيق المعيار المحاسبي الجديد، وذلك على حساب دعم أنشطة الأعمال في بيئة اقتصادية ضعيفة.

وهذه العوامل جميعها تلقي الضوء بصورة جلية على خلفية قرار لجنة بازل بتأجيل تنفيذ متطلبات راس المال الجديدة.

يضاف إلى ذلك، موقف صندوق النقد الدولي الأخير الذي رحب بالمقررات التي خرجت بها قمة العشرين الأخيرة عبر الفيديو كونفرنس لمواجهة تداعيات الوباء العالمي، لكنه طالب بعمل جماعي لحماية البلدان منخفضة الدخل التي تتعرض لأضرار بالغة من جراء تدفقات رؤوس الأموال الخارجة. فقد سحب المستثمرون بالفعل 83 مليار دولار أمريكي من الأسواق الصاعدة منذ بداية الأزمة، وهذا هو أكبر تدفق رأسمالي خرج منها على الإطلاق، في وقت تعاني منه هذه البلدان من مديونية حرجة. وهذه الأعباء سوف تلقي بكاهلها على النظام المصرفي في هذه البلدان.

عموما، فأن قرار لجنة بازل الأخير يشير في مضامينه أن تطبيق متطلبات راس المال الجديدة كان سينطوي بالفعل على رفع تكلفة الائتمان وتقليل الاستثمار، كما سوف يضاعف المصاعب التي تواجه الصناعة المصرفية لا سيما في أوروبا التي تشهد بلدانها اجتياح كبير لفايروس كورونا. لذلك فأن هذه الخطوة اتخذت على أمل أن تتمكن المصارف والجهات الرقابية ولا سيما في أوروبا من استخدام جميع مواردها للاستجابة لعواقب فيروس كورونا. وهذا يعني دعم مواصلة توفير الخدمات الحيوية للاقتصاد الحقيقي في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم.

رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا/ رئيس جمعية مصارف البحرين*


Hosting and support by