أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / أعود إلى حياة متجددة بقلب متجدد قصة عملية جراحة شرايين القلب اجراها الدكتور رونالد روس في عيادة شارع هارلي في لندن في 15 تشرين اول 1974 للدكتور حسن صعب

أعود إلى حياة متجددة بقلب متجدد قصة عملية جراحة شرايين القلب اجراها الدكتور رونالد روس في عيادة شارع هارلي في لندن في 15 تشرين اول 1974 للدكتور حسن صعب

أعود إلى حياة متجددة بقلب متجدد
قصة عملية جراحة شرايين القلب
اجراها الدكتور رونالد روس
في عيادة شارع هارلي في لندن
في 15 تشرين اول 1974
للدكتور حسن صعب
استاذ علم السياسة في الجامعة اللبنانية
الأمين العام لندوة الدراسات الإنمائية

حسن صعب : شكري لجراحي الكبير الدكتور دونالد روس ومعاوناته ومعاونيه الذين جددوا شرايين قلبي فجددوا حياتي.
لأطبائي الدكاترة لطيفة غندور منيمنة ورياض طبارة وفؤاد جبران وسامي قايد بيه ووليد منيمنة الذين دلوني على الطريق الى عيادة الدكتور روس وقادوني إليها بثقة تامة بفحوصهم وتوجيهاتهم وتشجيعهم.
لزوجتي الحبيبة نعمت التي قاست بألم وتفان وتضحية من التجربة كلها أشد مما قاسيت.
لولدي حسان ومروان اللذين واجها التجربة بايمان بايمان وشجاعة وثقة.
لأخي وصديقي الدكتور مصطفى غندور الذي أصر على أن يرافقني الى لندن لغرفة العمليات في العيادة.
لأخي وصديقي السيد بهاء حمزة سنو الذي أبى إلا أن يكون رفيق الرحلة للندن.
لصديقي الجديد المواطن الشهم السيد خليل البرغوت الذي قدم لي السلفة المالية اللازمة لتغطية نفقات العملية.
لجميع صديقاتي وأصدقائي وقريباتي وأقربائي ومواطناتي ومواطني الذين رافقوني بقلوبهم وأفكارهم وزياراتهم وهتافاتهم ورسائلهم ما بين بيروت ولندن وما بين مختلف عواصم العالم ولندن.
لأخواتي واخواني أعضاء مجلس ادارة ندوة الدراسات الإنمائية وسائر أعضائها وأمينة سرها الآنسة امينة اسطنبولي الذين شاركوني في كل ما عانيت مشاركة الأخ لأخيه، والذين حملوا أمانة الندوة في غيابي على خير ما يمكن أن تحمل.
لأخي الأستاذ جبران حايك حامل رسالة الفكر الحر والمنبر الحر أتاح لي فرصة نشر هذه الكلمات مقالات في جريدته قبل أن تنشر فصولاً في هذا الكتيب.
1 – الاعجاز العلمي والتكنولوجي الطبي
أعود إلى حياة متجددة بقلب متجدد.
وكأنني انهيت حياة اولى وابتدأت حياة ثانية.
وخالق الحياة الاولى والثانية هو الله.
ولكن مجدد الحياة هو الانسان.
الله يخلق الحياة والانسان يجددها.
والانسان يجددها بالاعجاز العلمي والتكنولوجي.
ويجددها وهو يجدد القلب أو شرايينه.
فيولد الكائن الحي بالارادة الإلهية والعبقرية الإنسانية ولادة جديدة.
ولو لم أكن أنا المولود الجديد لما صدقت ما حدث.
ولولا ايماني بلطف الله لا حد له وبإبداع الانسان لا حد له لما رضيت أن يحدث ما حدث.
وتجربتي في تجديد شرايين القلب هي تجربة اللطف الإلهي والابداع الانساني.
وتجلى الابداع أول ما تجلى في آلة التشخيص التي تكشف كل مكنون القلب.
ونحن أهل الحب لم نكن نسر بهذا المكنون إلا للحبيب.
ولكن آلة الشتخيص تسر به الآن للطبيب.
انها كما اصطلحنا على تسميتها بالعربية آلة “تمييل” القلب.
وهي غير آلة تخطيط القلب وأحدث منها وأقدر منها على كشف الأسرار.
ولا تتوفر هذه الآلة في منطقتنا إلا في مستشفيين : مستشفى الدكتور نسيب البربير ومستشفى الجامعة الاميركية.
إنها آلة عبور وتلوين وتصوير.
انها سلك يعبر اليد والصدر الى القلب يحمل مادة تلون شرايين القلب، وعدسة تصور، فتخرج فيلماً تليفزيونياً ملوناً يبرز كل دقائق القلب، ويفصح عما هو صحيح منها وما هو عليل.
ويقضي الإنسان مع هذه الآلة ساعة من ساعات العمر ليس كمثلها ساعة. يقضيها واعياً كل ما يجري لأن التخدير موضوعي في اليد والصدر والقلب والكيان كله واع ومتحفز.
والكيان كله مستأنس بالطبيب العبقري الذي يحرك الآلة، وبمعاوناته ومعاونيه الذين تصبح الجلسة معهم جلسة مرح وفرح لا جلسة كمد وترح.
وظهرت في “التصوير” الحقيقة التي استعصت على “التخطيط”، وهي ان ثلاثة من شرايين القلب ضاقت بدون أن ينسد أي منها. فأصبح الواجب المسارعة إلى العملية الجراحية التي تحول دون وقوع ما لم يقع بعد.
وأصبحت أمام الاختيار الثاني لعبقرية الانسان الابداعية، ولطاقة الانسان الاحتمالية.
كان “التمييل” مجازفة اولى اجتزتها بفضل عبقرية طبيبي الوطني.
وكانت مجازفة استطلاع للقلب لا مجازفة افتتاح له.
ولكن العملية مجازفة افتتاح لا مجازفة استطلاع.
وكان عليّ أن اجتازها بعبقرية طبيب أجنبي في لندن لا بعبقرية طبيب وطني في بيروت. وذلك لأن طبنا لم يجهز بعد تكنولوجياً ولا إنساناً لمثل هذه العملية.
فكان المتجلى الثاني للابداع الانساني ست ساعات قضيتها في واحد من أعظم مختبرات الجراحة القلبية في العالم لا أعي منها إلا ما قيل لي عنها، وما رأيت من آثارها على ساقي وصدري بعد ان عاد كل شيء لما كان عليه.
ويقول الراوي أن ما حدث في الساعات الست هو أن الطبيب العبقري ومعاوناته ومعاونيه الأفذاذ انتزعوا شرياناً، لا ضرورة له من ساقي اليسرى، واتخذوا منه وصلات كمجاري جديدة للدم حول الشرايين الثلاثة الضيقة، فالتحمت البدائل حول الأصائل وأصبحت تغني عنها، وتجددت حركة الدم في الشرايين، وتجدد الدم، وتجددت الحياة.
وانتصبت في اليوم الثالث بعد العملية على قدمي امشي على الأرض وكأن ساقاً لم تجرح، أو صدراً لم يفتح، أ, شرياناً لم يوصل.
واستأنفت في الشهر الثالث بعد العملية عملي بقلب متجدد وحياة متجددة.
انه لطف الله واعجاز الانسان.
انها حكمة الله وعبقرية الانسان.
انه كون الله وتقدم الانسان العلمي والتكنولوجي لاكتشاف كل ما فيه، وصناعة كل ما فيه صناعة جديدة.
انه تقدم الانسان العلمي التكنولوجي، الذي ما فتئنا في ندوة دراساتنا الانمائية ندعو لتصييره تقدما عبقريا لبنانيا، وتقدما عربيا، وتقدما إنسانيا شموليا. انه التقدم نبشر به، فاذا به يطبق علينا تطبيقاً تجريبيا.
وحبذا التجربة، تجربة علم جديد، وتكنولوجيا جديدة، وعملية جديدة، تصبح مصدرا لحياة جديدة.
انها أفضل ما يمكن ان يجرب ويطبق له العلم والتكنولوجيا.
وحبذا اليوم الذي يصبح فيه هذا الابداع العلمي والتكنولوجي في سبيل صحة الانسان وفي سبيل حياة الانسان وفي سبيل قلب الانسان ابداعنا الذاتي لا اقتباسنا الخارجي. هذا هو أعز ما أتوق اليه الآن وانا أعود لحياة متجددة بقلب متجدد.
2 – الصحة والحياة للأغنياء والمرض والموت للفقراء
التقدم العلمي والتكنولوجي الطبي والصحي هو أجمل وجوه التقدم.
انه تقدم في السيطرة على الطبيعة لاصلاح الطبيعة لا لافسادها.
انه تقدم في سبيل احياء الانسان لا في سبيل إفنائه.
انه تقدم يبعث الجسد فيصون الروح.
انه تقدم يجدد حياة الانسان.
انه تقدم يصنع تركيب الشرايين والانسجة والاعصاب والغدد صناعة جديدة.
انه تقدم يبلغ إعجازه في صناعة شرايين القلب والدماغ صناعة جديدة.
انه تقدم يجرح للبعث ما لم يكن يجرح إلا للقتل من كيان الانسان.
انه تقدم تصطنع فيه كل أدوات الانسان التكنولوجية من الادوات الفضائية الى الذرية الى الالكترونية.
انه تقدم تصعد فيه عبقرية الانسان الابداعية اصعاداً مطرداً.
انه تقدم يشرق كل يوم عن فتوحات جديدة من نظرية جديدة الى عملية جديدة الى آلة جديدة.
انه تقدم اجمل ما فيه انه غير متناهي.
ولكنه تقدم أقبح ما فيه انه ما يزال احتكاراً للاقلية وحظراً على الأكثرية.
فأقلية العالم المتقدم هي التي تبدع في مختبراتها ومصانعها التقدم العلمي والتكنولوجي الطبي والصحي.
وأقلية العالم المتقدم هي التي تمارسه في مستشفياتها ومستوصفاتها.
وأقلية العالم المتخلف والمجتمع المتخلف هي التي تستورده أو تستهلكه.
فآلة التشخيص وآلة الجراحة فادحة الثمن.
وكما ان الأمم الغنية هي وحدها التي تستطيع ان تنتجها فالفئات الغنية وحدها هي التي تستطيع ان تستهلكها في الأمم المتخلفة.
وينطبق هذا اكثر ما ينطبق على جراحة القلب والدماغ.
فالطريق إلى آلة تمييل القلب مفروشة بآلاف الليرات.
والطريق إلى آلة جراحة القلب في لندن أو في تكساس منثورة بآلاف الجنيهات الاسترلينية أو الدولارات الاميركية.
وكنت في طريق الجو إلى لندن التفت الى قرينتي رفيقتي في الطائرة، وأسألها : وماذا يفعل من لا يملك حتى ثمن تذكرة الطائرة ؟
انه يموت حيث هو اما بانسداد الشريان أو بانفجار الدماغ.
ولا يموت لأن أجله انتهى وأراد الله له أن يموت بل لأن الانسان الآخر أراد له أن يموت.
الانسان الآخر الذي لم يع بعد ان حياة كل انسان فريضة على كل انسان وان صحة كل انسان زكاة على كل انسان.
ولما بلغنا مدخل الأمن العام في مطار لندن، سألنا الموظف المسؤول بعد أن رأى على تأشيرة الدخول غاية زيارتنا الطبية :
وهل تتوفر لكم نفقات عملية جراحة شرايين القلب ؟
ولو لم نبرز له الوثائق التي تثبت ان النفقات متوفرة من الجنيهات الاسترلينية لما اذن لنا بالدخول.
سألت قرينتي مرة ثانية : وماذا يفعل الانسان الذي لم تتوفر له هذه الآلاف؟ يقفل في وجهه باب لندن بل باب الصحة والحياة.
ولما بلغنا مدخل عيادة شارع هارلي في قلب لندن، استوقفنا لدى الباب، وطلب منا ايداع النفقات المستحقة سلفاً. ولو لم نودع ما أودعنا لما تجاوزنا عتبة المدخل.
وسألت قرينتي مرة ثالثة : ومن لا تتوفر له مثل هذه الوديعة، التي تمثل ثروة حياة للانسان المحدود الدخل، ماذا يفعل ؟ يموت حيث هو لا لأنه حان أجله بل لأنه ليس غنيا.
الصحة والحياة هما اذن للأغنياء والمرض والموت هما للفقراء.
حسن صعب
بيروت في 15/1/1975.
المصدر : مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث/ امين السر – محمد ع.درويش.


Hosting and support by