أخبار عاجلة
الرئيسية / تقارير خاصة / لكي لا ننسى المرحلة الذهبية للدبلوماسية اللبنانية

لكي لا ننسى المرحلة الذهبية للدبلوماسية اللبنانية

السفير عفيف أيوب*
كان للانفجار الكارثي في مرفأ بيروت في الرابع من شهر آب 2020 تداعيات على البشر والحجر. قضى حوالي مئتي شهيد من اللبنانيين والعرب والأجانب المقيمين في لبنان، واُصيب الآلاف بجراح جسدية ونفسية يصعب محوها من الذاكرة، إضافة إلى دمار شامل أو جزئي في معظم مناطق بيروت وخاصة تلك القريبة من مكان الانفجار.
لم يسلم قصر بسترس، العنوان الدائم لمقر وزارة الخارجية والمغتربين، من الأضرار الكبيرة التي نتجت عن انفجار المرفأ، والتي جعلته غير قابل للاستخدام مجدّداً. وأذكر أننا، ومنذ سنوات طويلة، كنا نشعر أن القصر ليس مكاناً آمناً للعمل. وكان من أصعب الأوقات عندما يهطل المطر بغزارة وتبدأ المياه بالتسرب إلى جدران القصر وغرفه فيهرع الموظفون لحماية الأرشيف والملفات والأثاث بأيديهم وبهمّتهم الشخصية. ومن فترة إلى أخرى كانت تُجرى أعمال صيانة جزئية، لم تكن كافية للقول إن المبنى قد أصبح سالماً وآمناً. غير أن لقصر بسترس حكايات طويلة وذكريات جميلة عند الدبلوماسيين اللبنانيين والموظفين العاملين في الوزارة، وجلّهم عاش هذه المرحلة المشرقة من تاريخ الدبلوماسية اللبنانية.
ربما انكسر الحجر، لكن عزيمة موظفي وزارة الخارجية لم تنكسر يوماً، برغم كل التحديات التي واجهوها في الماضي. ولذلك فلا خوف على وزارة الخارجية ومسيرتها للمستقبل. وإذا كان من عبرة يمكن أن نلمسها لمس اليد، فإنني أود أن آخذكم في رحلة إلى ماضٍ ليس ببعيد لأؤكد لكل لبناني مصدر ثقتي بأن وزارة الخارجية والمغتربين ستتجاوز هذا الظرف العصيب.
لقد مرّت على لبنان سنواتٌ صِعَاب في الفترة 1975-1990: قصفٌ عشوائي يومياً، إطلاقُ رصاصٍ كثيف أحياناً ومتقطّع أحياناً أخرى، قنصٌ من على أسطح المباني، هجماتٌ مسلّحةٌ متبادلة، خطوطُ تماس، بواباتُ عبور تُفتحُ وتُقفلُ بوتيرةٍ غير معروفة، خطفٌ على الهوية، تدميرٌ للمباني والمؤسسات، قتلُ آلاف المدنيين الأبرياء، وجرحُ وإعاقةُ مئات الآلاف من الكبار والصغار رجالاً ونساءً وأطفالاً. ولو قام أحدُ الأمواتِ من قبرِهِ ليسألَ لماذا قُتلت؟ فلا أحَدَ يعرفُ الجواب. كانت حرباً عبثيةً لا زال اللبنانيون يدفعون ثمنها إلى الآن.
وسط هذه الأجواء الساخنة، كيف لوزارة الخارجية والمغتربين أن تؤمّن التواصل مع بعثاتها في الخارج؟! كيف لها أن تُرسل التعليمات وتتأكد من تسلّم البرقيّات، في ظلِّ انقطاع الكهرباء وخطوط الهاتف وقطع الطرقات، وفي زمنٍ لم يكُن فيه تسهيلات للتواصل مثل عصرنا الحاضر؟ كيف لها أن تُرسل الحقائب الدبلوماسية إلى البعثات، وتتسلّم الحقائب القادمة من الخارج؟ كيف لها أن تُحوّل الرواتب للدبلوماسيين التي كانت تُصرف في ذلك الوقت بالليرة اللبنانية؟ كيف لها أن تؤمّن المال لتسديد النفقات ودفع رواتب موظفي البعثات   وتسديد بدلات الإيجارات للمكاتب ودور السكن؟ كيف لها أن تضمن استمرارية عمل السفارات والقنصليات وقيامها بمهامها وتقديم خدماتها للجاليات اللبنانية دون تأخير؟
لقد كان هناك أبطالٌ حقيقيون في وزارة الخارجية والمغتربين، عملوا بجدٍّ ودون كللٍ أو مللٍ أو تباطُؤ، وتخطّوا الصعاب وخاضوا المخاطر، من أجل أن تستمر الوزارة وبعثاتها في الخارج في العمل دون انقطاع. ويحضُرني بعض الأسماء التي انطبعت في ذاكرتي في تلك الفترة ممن يمكن تصنيفهم في مكانة الأبطال. وهناك آخرون غيرهم ممن لا أذكر أسماءهم وأعتذر منهم ومن ذويهم إذا كانوا قد رحلوا عن هذا العالم. في الشؤون المالية، كان هناك السفير عدنان بدرا والمحاسبون وليد بواب وألبير عاصي وفاروق الحجاوي وفدوى حمّود وطوني أبو حبيب وحسين رعد وأحمد جابر وإلهام زغيب جابر وروعة الجم وملكة نخلة، الذين كانوا يؤمّنون الرواتب للدبلوماسيين والموظفين والتحويلات المالية للبعثات اللبنانية في الخارج في أوقاتها، والآنسة سهام الصليبي التي كانت تشرف على تدقيق وصرف النفقات للسفارات والقنصليات العامة. وفي الشؤون الإدارية كانت هناك الآنسة رينه زيدان والبرّاق حيدر وإلياس نمنم وأوديت أبو جودة، الذين تابعوا الحقوق الإدارية للدبلوماسيين وحافظوا على ملفاتهم الشخصية. وفي الشؤون الاغترابية السيد بشارة يحشوشي، الذي تابع شؤون قيد الأحوال الشخصية الخاصة باللبنانيين المقيمين في الخارج.
وبما يخصّ الحقيبة الدبلوماسية كان هناك مدير الديوان الأستاذ رزق الله معكرون الذي عمل مع معاونيه دون تردّد على نقل الحقائب الدبلوماسية عبر خطوط التماس في بيروت تحت أزيز الرصاص. وكان لا يُوفّر لا الطائرات ولا البواخر، عندما يُقفل المطار، ليؤمّن وصول الحقائب الدبلوماسية إلى وُجهاتها في شتى أنحاء العالم، وكذلك استلام الحقائب الدبلوماسية القادمة إلى لبنان. وفي الشؤون السياسية كانت هناك السيدة مهى الحركة حمادة التي كانت الوجه الثابت في المديرية، والسيد أحمد شرف الدين الذي كان يُبادر لمساعدة الدبلوماسيين في الانتقال بين غرب بيروت وشرقها تحت الخطر كلما كانت هناك حاجة لذلك. وفي الرموز كان هناك السفيران هنري أبو فاضل وإبراهيم كريدي والآنسة فرناند الشمالي والسيدة حياة الشرتوني الذين كانوا يؤمّنون التواصل مع البعثات الدبلوماسية والقنصلية اللبنانية بطرق وأساليب مبتكرة عندما كانوا يعجزون عن استخدام الطرق التقليدية. وكان موظفو دائرة الجوازات الدبلوماسية يعملون على تأمين الجوازات للدبلوماسيين وعائلاتهم وإيصالها إليهم سواء كانوا في لبنان أو في الخارج. كما تجاوز موظفو إدارة المراسم في الوزارة كل العقبات الأمنية لتوفير الخدمات لأعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي وتسهيل تقديم أوراق الاعتماد للسفراء الجدد وسط ظروف غير مستقرة.
وأذكر من تلك الفترة كذلك السفراء د. عادل إسماعيل وعبد الرحمن الصلح وفؤاد الترك وجوزف عقل وكسروان لبكي ورشيد فاخوري وسليمان فرح وجان رياشي وأحمد إبراهيم وسليمان يونس وسمير شما وسمير مبارك وأنطوان جمعة وشوقي شويري وجان ملحة وجان هزو وزهير حمدان ود. عاصم جابر ورئيس الدائرة القانونية د. نبيل معماري والإداريين بطرس العضم وعزّت خورشيد وسميرة روفايل وغادة أبو فاضل وأوديت عازار ومهى ناصيف ووفاء نصير ووفاء كرنيب وفريد لطيف ونقولا نخلة. وهناك العشرات غيرهم من الدبلوماسيين والإداريين الذين كان لجهودهم المضنية وتضحياتهم في الوزارة في تلك الفترة بصمة لا تمحى، وساهموا في إبقاء عجلة العمل في وزارة الخارجية والمغتربين مستمرة وثابتة وناجحة.
وعندما كنتُ دبلوماسياً في البعثة اللبنانية الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تحت رئاسة السفير غسان تويني، كان الدبلوماسيون الأجانب يُدهَشون حينما يعرفون أنّ التعليمات والبرقيات والحقائب الدبلوماسية والرواتب كانت تصلنا أسرع من معظم الدول التي كانت أمورها طبيعية ولا تعاني من الحروب كما هي الحال في لبنان. ويعود الفضل في ذلك إلى الجنود المجهولين الأبطال في وزارة الخارجية الذين تحدّوا الحرب والقنص والفوضى والمخاطر الأمنية التي سادت في تلك السنوات المظلمة.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن العمل الدبلوماسي في تلك الآونة كان في أعلى مراتب المهنية حيث كان التواصل يتمّ يومياً بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، خاصة في الفترة التي تواجد فيها الرئيس الياس سركيس والرئيس د. سليم الحص والوزير فؤاد بطرس في سدّة المسؤولية، ممّا أثمر سرعةً في اتخاذ قرارات جدّية ومتوازنة سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، وتعبِّرُ بشكل دقيق ومحترف وجريء عن المصلحة اللبنانية العليا.

سفير لبنان السابق لدى سلطنة عُمان


Hosting and support by