أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة و فن / نوحد لبنان ولا نقسّمه …. بقلم الدكتور حسن صعب

نوحد لبنان ولا نقسّمه …. بقلم الدكتور حسن صعب

إن ما نعانيه من انشقاق في وطننا لبنان هو عرض زائل. فجوهرنا العبقري هو جوهر وحداني. إننا، مسلمين ومسيحيين، أهل الكتاب، وأهل الكتاب أهل الوحدانية، برسالة توحيدية، ورسالة تثليثية، المسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. والمسيحي يشهد باسم الآب والابن إله واحد. فالإله واحد رب البشر أجمعين. وهو الإله الواحد خالق البشر أجمعين. وهو الإله الواحد مصدر الحقيقة الواحدة للبشر أجمعين. واللبنانيون حملة رسالتي الوحدانية لجميع البشر. فهل يعجزون عن توحيد أنفسهم، إذا كانوا حقّاً مسلمين ومسيحيين؟
إن من يحالول أن يفرّق اللبنانيين باسم الإسلام أو المسيحية، فهو غير مسلم وغير مسيحي. وكل من يخوّف المسلمين من المسيحيين، فإنه جاهل بأن المسيحية هي دين محبة لا دين رهبة. وكل من يحاول إرهاب المسيحيين بالمسلمين، فإنه جاهل أن الإسلام دين رحمة.
حقيقة الإسلام والمسيحية محبة ورحمة. ولكن واقع المسلمين والمسيحيين، أنهم يتقاتلون منذ عام 1975 بوحشية ليس كمثلها وحشية. ولكن الواقع هو أن تقاتل المسلمين فيما بينهم، وأن تقاتل المسيحيين فيما بينهم كان هو أيضاً أشدّ ضراوة ووحشية! فالمعضلة هي إذاً معضلة النفس البشرية، وليست معضلة الإسلام ولا معضلة المسيحية. فما تزال غابيّة هذه النفس تجتاح حضاريتها. وما الدين إلا الحجاب الذي يغلّف هذه الغابيّة هذه النفس تجتاح حضاريتها.
والإسلام والمسيحية روحية وعصبية. وروحيتهما علوية توحيدية. وعصبيتهما دنيوية تقتيلية. وقد طغت علينا، منذ عام 1975، الدنيوية التقتيلية، فلماذا لا نسمو من جديد، بعد كل الذي قاسينا، لمستوى علويتنا التوحيدية الإسلامية المسيحية؟
إننا لا نقدّم هنا موعظة. فللوعظ الديني أربابه المبجلون. ولكننا نعلم من زاويتنا في علم السياسة، أن مجموعة معتقدات الشعب، وقيمه وتصوّراته، وتخيّلاته، وذكرياته، ورواسبه هي مقوّمات لثقافته السياسية. وأننا ما لم نصُغ هذه الثقافة تفضيلات توحيدية، فلا الدولة، ولا القانون، ولا القوة يمكن أن توحد المواطنين. ونحن شعب منفتح العقل على جميع الافكار. ولكن قيمنا العلوية الروحية ما تزال هي التي تستهوينا. إنها في أعماق لا وعينا التاريخي، ولذلك، فإننا، ما لم نَعِها على حقيقتها قيماً توحيدية، سنقع في انتكاسة تجزيئية بعد الأخرى. وما لم نَعِها قيماً تحضيرية، فإننا سننحدر إلى وهدة توحشية بعد الأخرى.
وعّاظنا الدينيون هم الذين يتعهّدون نفوس أطفالنا قبل سواهم. فهل يتعهّدونهم مواطنين متحابّين أم أ‘داء متباغضين؟
ووعّاظنا الدينيون هم الذين يتولّون حكّامنا قبل سواهم، فهل يتولّونهم حكّاماً متحاورين أم حكّاماً متقاتلين؟
ووعّاظنا الدينيون هم الذين يخاطبون مواطنينا أكثر من سواهم، فهل من سواهم، فهل يخاطبوهم بعبقرية الإسلام والمسيحية العلوية التوحيدية، أم بوحشية العصبية التهشيمية؟
ولسنا نقصد هنا أن نعظ الوعّاظ. فهم أدرى بما يعظون وبما لا يعظون! ولا نريد أن نجمح بهم من الدين إلى السياسة، وإن كان رجال الدين هم الآن أبطال السياسة، ورجال السياسة يرفعون المظلاّت الدينية! وما دامت السياسة هي رسالة التوحيد، وهي صناعة الحضارة، كما يجب أن تكون، فإنها رسالة رجال الدين ورجال السياسة معاً. وما دام الدين توعية بالرحمة الإسلامية وبالمحبة المسيحية، فإنها واجب رجال الدين ورجال السياسة معاً.
والتوعية بعبقريتنا العلوية التوحيدية ليست الآن واجب رجال الدين ورجال السياسة فحسب، ولكنها تستدعي تعبئة شاملة لجميع المواطنين اللبنانيين. إن كل الحواجز التي فرضت علينا، وكل السهام التي طُعّنا بها، مدى أربعة عشر عاماً، لم تغّير من حقيقتنا العبقرية التوحيدية. فنحن ما نزال عباد إله واحد. وما نزال أبناء الرسالة العلوية الواحدة. وما نزال أبناء وطن واحد وشعب واحد وجمهورية واحدة وطموحات واحدة. تعدّدت ميليشياتنا، وظل شعبنا واحداً، وتنوعت جراحاتنا وظل قلبنا واحداً.. وتعالت ويلاتنا وظلّت إرادة الحياة الواحدة عندنا جميعاً أعلى منها كلها.
وما دمنا عبقرية واحدة، وروحاً واحدة، وتطلّعات واحدة، وجمهورية واحدة، فلا بد أن تكون العبقرية اللبنانية التوحيدية، أنتم الآن ممثّلوها.
المصدر : مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث.
امانة السر : محمد ع.درويش


Hosting and support by