احتفالية مئوية لبنان الكبير …تعالوا نبدع لبنان الجديد معا.  للدكتور حسن صعب

احتفالية مئوية لبنان الكبير …تعالوا نبدع لبنان الجديد معا. للدكتور حسن صعب

احتفالية مئوية لبنان الكبير …تعالوا نبدع لبنان الجديد معا.
للدكتور حسن صعب

لبنان وطن الحرية.
لبنان وطن العدالة.
لبنان وطن المساواة.
لبنان وطن المشاركة.
لبنان وطن الاخوة.
هذه معاني لوجود لبنان نادينا بها شعارات. واخفقنا في جعلها حركيات سلوكية لنظامنا الديموقراطي. فكانت النتيجة المأساة الانفجارية التي عانيناها. فهل يعني هذا الانفجار نهاية تجربتنا الاستقلالية الوطنية او انه يؤذن بنهاية مرحلة قديمة وببداية مرحلة جديدة، نحقق فيها في الربع الاخير ما لم نستطع تحقيقه في الربع الثالث من القرن العشرين؟
انسان اليوم هو غير انسان الامس. انسان الامس صنيعة ماضيه. واما انسان اليوم فانه صانع مستقبله. وما دام لبنان وطن الانسان، فان لبنان الغد سيكون غير لبنان الامس. وستكون تجربته الجديدة غير ما كانت عليه تجرببته ما بين عام 1943 وعام 1975. وسيكون للحرية فيه مدلول غير الذي شاع حنى الآن. سيكون معنى الحرية فيه اول ما يكون التحرر من عبودية الماضي . وسيكون لبنان المتحرر من عبودية الماضي منطلقاً الى الامام بعبقرية الابداع لا مرتدا الى الوراء باجترارية التقليد. وستكون السيادة في لبنان المتحرر من عبودية الماضي للثقة والعقل والجسارة والخيال والرؤية والامل لا للحقد والعنف والخوف والموات والعقم واليأس.
اننا لا نيأس من لبنان ولا من الشعب اللبناني لاننا لا نيأس من الله ولا نيأس من الانسان. فاذا ما انتصرنا جميعاً على اليأس فاننا نحن اللبنانيين متحركين بامل جديد مدعوون لصناعة لبنان صناعة جديدة تختلف عن كل ما عرفنا حتى الآن. وانتصارنا على اليأس ليس انتصاراً لاي منا على الآخر. وليس انتصاراً منا على الذين تصورنا هم اعداء لنا او للبنان، ايا كانت اختلافاتنا في هذا التصور، ولكنه انتصار قبل كل شيء الماضي وانتصار بعد كل شيء للمستقبل. لبنان المستقبل لن يكون ابداً كلبنان الماضي. دفن لبنان الماضي في مأتم جنائزي رهيب استمر عامي 1975 و 1976. وانتهى المأتم بعد ان شيع الفقيد لمثواه الاخير. ولن يستطيع احد منا احياءه. ولكن كلا منا يستطيع المشاركة في ولادة المولود الجديد. وهذا هو المعنى الحقيقي للمشاركة الآن : مشاركة كل منا مشاركة مسوؤلة وخلاقة في صناعة لبنان الجديد.
حين ألقى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خطابه، عشية إطلاق مئوية لبنان الكبير، انشغل اللبنانيون بالسّجال حول العلاقات اللبنانية–التركية، نتيجة الجدل الكبير الذي أثاره الرئيس عون في كلمته عن الحقبة العثمانية. لكن، في ظلّ هذا السّجال، كان الخبر الأساس، هو أنّ لبنان يتحضر في مطلع العام 2020 لإطلاق احتفالات مئويته كدولة مستقلة في العام 1920.
في الأول من ايلول 1920 أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير بعد إعادة ترسيم الحدود بين البلاد التي كانت خاضعة للحكم العثماني ومن بينها سوريا ومتصرفية جبل لبنان، ومعلنًا بيروت عاصمة لها.
تبدأ احتفالية لبنان بمئوية دولة فصّلها الانتداب الفرنسي على قياس طوائفها، فغدت جمهورية الطوائف والمذاهب التي تكرست فيما بعد بنظام محاصصة طائفية لا يزال لبنان يدفع ثمنه إلى اليوم.
مئة عام على انشاء دولة لبنان الكبير ازداد خلالها دوره صغرا، وتقلص إلى حدود الدويلات التابعة، لأن فكرة الوطن العلماني لم تقنع الكثيرين فيه. فامتيازات الحكم أو المشاركة في السلطة كانت وما تزال اقوى من فكرة الدولة المدنية الديمقراطية.
مئة عام مرت على الاعلان، وفي كل عام تصيبنا مئة لعنة ولعنة مما انتجه نظام الحكم التحاصصي، ولعل لعنة الفساد المستشري الذي ينتشر بالجسد متغذيا على هذه الفلسفة السياسية التي سميت بالديمقراطية التوافقية اقوى اللعنات التي اصابتنا.
بعد مئة عام على لبنان الكبير يتجدد السؤال، متى يصير الوطن أكبر من الطوائف والمذاهب ليغدو كبيراً حقاً، وقوياً بمبادئه الديمقراطية والانسانية؟
ويقول مفكرنا اللبناني الراحل الدكتور حسن صعب.
مات لبنان القديم فليحيا لبنان الجديد.
مات لبنان الامس فليحيا لبنان الغد.
لبنان الامس هو لبنان القيم والوظائف والبنيات الفئوية طائفية كانت او طبقية.
اما لبنان الجديد فانه لبنان القيم والوظائف والبنيات الوطنية الانسانية،
نادينا في لبنان القديم بقيم انسانية بالاسم ولكننا اختلفنا عليها اختلافاً طائفياً بالتصور والفعل،
وحددنا للبنان القديم وظائف وطنية الحروف وطائفية السلوك،
واقمنا للبنان القديم بنيات ديموقراطية التكوين واقطاعية المحتوى. فانفجر التناقض البركان اللاهب الذي كاد يحرقنا جميعاً.
ولا يشفع لنا ان نلقي الآن مسوؤلية التفجير على الغير، اخواناً كانوا او اخصاماً، حلفاء او اعداء.
فلو لم يكن التناقض لما كان التفجر ولا التفجير.
فاصبح علينا ان نصنع لبنان الغد لبنان التوافق لا لبنان التناقض ليكون لبنان الابداع لا لبنان الانفجار.
لبنان الجديد، لبنان الغد، لبنان، لبنان القيم العامة الواحدة. ولبنان القيم الواحدة هو لبنان الكيان الواحد ولبنان الدولة الواحدة ولبنان البنيات الواحدة ولبنان المؤسسات الواحدة. وتوافقنا على هذه القيم مقدم على اي شيء آخر. وليس هذا التوافق روحياً او فلسفيا او خلقياً او مثالياً كما يتبادر للذهن لاول وهلة بل هو توافق سياسي عملي وتطبيقي. فالسياسة هي في جوهرها عملية التوافق على القيم وعلى التشارك فيها تشاركاً عقلانياً وعادلاً بين ابناء الشعب الواحد والدولة الواحدة. ولو ان رؤساء جمهوريتنا وبرلماناتنا وحكوماتنا واداراتنا وطوائفنا واحزابنا ونقاباتنا التزموا قيماً عامة واحدة ما بين عام 1943 و 1975 لما نزلت الكارثة التي كادت تذهب بنا جميعاً هباء منثوراً …
اننا مقسمون الآن قيمياً كما اننا مقسمون جغرافياً وعسكرياً وسياساً وادارياً وجامعياً. ومدخل التوحيد السياسي الجديد التوحيد القيمي الجديد.
والتوحيد القيمي الجديد هو توحيد تصور اللبنانيين للحرية والعدالة والمساواة والمشاركة والاخوة وتوحيد موقفهم منها، وتجسيد هذا التوحيد في القانون العام والسلوك العام. والقانون العام ودستور الدولة والتزام المواطن. والسلوك العام سياسة الدولة وفعالية المواطن.
مبادرة مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث تهدف إلى تنشئة الجيل الجديد على المواطنة التي هي الأساس لبناء الدولة والتجذّر بالأرض.
المصدر : مؤسسة حسن صعب للدرلسات والابحاث – امين السر /محمد ع. درويش