مخاوف أمنية في لبنان بعد تصاعد وتيرة المواجهات بين القوى الأمنية والمحتجين

مخاوف أمنية في لبنان بعد تصاعد وتيرة المواجهات بين القوى الأمنية والمحتجين

بيروت في 20 يناير 2020

تشهد الساحة اللبنانية أزمة سياسية واقتصادية وسط مخاوف أمنية على وقع الحراك الشعبي الذي بدأ في 17 اكتوبر الماضي بعد اطلاق اللبنانيين “صرخة موحدة ” من قبل كافة الطوائف ومن كل المناطق رفضا لزيادة المزيد من الضرائب التي تثقل كاهلهم وآخرها الضريبة على التطبيقات المجانية على الهواتف المحمولة أو ما أسموها “ضريبة الواتساب” لتتوسع بعدها الى مطالب سياسية وأولها تشكيل حكومة من اختصاصيين مما دفع السيد سعد الحريري الى تقديم استقالته بضغط من الاحتجاجات التي امتدت في كل أنحاء البلاد.

وقد شهد وسط بيروت ليل (السبت )أمس الأول وأمس (الأحد ) مواجهات حادة بين المحتجين والقوى الأمنية بعد محاولة قوى مكافحة الشغب منعهم من الدخول الى البرلمان اللبناني وهي صدامات وصفت بأنها الأعنف منذ انطلاق ما اطلق عليه المتظاهرون” ثورة ” استخدم فيها المحتجون المفرقعات النارية والحجارة وجذوع الأشجار وأعمدة إشارات السير لمهاجمة القوى الأمنية التي ردت باستخدام خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الجرحى تجاوز المئتين بين الطرفين في غضون يومين .

وقد طلبت القوى الأمنية اللبنانية خلال المواجهات في الأيام الماضية من المتظاهرين السلميين المحافظة على سلمية تحركاتهم ومنع من اسمتهم بالمشاغبين من الاستمرار في الاعتداءات أو الابتعاد من مكان أعمال الشغب لأنها ستضطر لردع مثيري الشغب ووقف التعدي وفقا للقانون.

وفي أعنف جولة من المواجهات تشهدها العاصمة بيروت منذ انطلاق الاحتجاجات في 17 اكتوبر الماضي، انطلقت مسيرات مساء (السبت )الماضي من نقاط عدة في بيروت احتجاجاً على تأخير تشكيل الحكومة حيث تم في 19 ديسمبر الماضي تكليف الدكتور حسان دياب بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة وذلك بعد استقالة السيد سعد الحريري في 29 اكتوبر الماضي على وقع الحراك الشعبي في البلاد.

وقد عاد زخم المظاهرات الى لبنان نهار (الثلاثاء) الماضي تحت عنوان “أسبوع الغضب” ،احتجاجاً على فشل السلطة في تحقيق مطالب المتظاهرين الاقتصادية والمعيشية وتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة الى جانب اعتراضهم على تكليف الدكتور حسان دياب بتشكيل الحكومة.

وقد دعا ناشطون من الحراك الشعبي اللبنانيين للعودة إلى التظاهر والاعتصام في الساحات وأمام المقرات الرسمية وإعادة اغلاق الطرقات ، وإعادة الزخم إلى المظاهرات وذلك بعد هدوء خلال فترة الأعياد (عيدي الميلاد وراس السنة الميلادية). وقد عاد المتظاهرون نهار (الثلاثاء) الماضي الى اغلاق كافة الطرقات الحيوية في البلاد في محاولة للضغط على السلطة الى تحقيق مطالبهم وأولها تشكيل حكومة من الاختصاصيين وإجراء انتخابات نيابية مبكرة وتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلد الذي يرزح تحت وطأة الفقر والمشاكل الاجتماعية.

وقد بدأ مسار التصعيد من قبل المتظاهرين ليل (الثلاثاء) الماضي بعد الاعتصام أمام مصرف لبنان في شارع الحمرا في بيروت حيث عمدوا الى تكسير عدد من واجهات المصارف وحصل مواجهات مع القوى الأمنية، كما تكرر المشهد ليل (الأربعاء) الماضي أمام أحد المقرات العسكرية (ثكنة الحلو الواقعة في منطقة كورنيش المزرعة) مما أدى الى مواجهات بين المحتجين والقوى الأمنية خلال وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين في الأحداث أمام مصرف لبنان مما أدى الى وقوع إصابات بين الجانبين وفي صفوف الصحافيين والمصورين وهو ما استدعى اعتذارا من قبل وزيرة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال السيدة ريا الحسن التي شجبت ما تعرض له الصحافيون من انتهاكات من قبل القوى الأمنية مؤكدة أنها لم تصدر أي قرار بهذا الخصوص من أجل استعمال العنف بوجه الصحافة وأن هناك آلية للمحاسبة ومن اقترف أي خطأ سيحاسب .

ومن جانبه كشف المدير العام لقوى الامن الداخلي اللبناني اللواء عماد عثمان ،(الخميس )الماضي، عن سقوط 483 جريحا لقوى الأمن اللبناني مقابل 453 من الجرحى المدنيين منذ بدء الاحتجاجات في لبنان شهر اكتوبر الماضي، مقدماً اعتذاره من الصحافيين بعد انتهاكات حصلت خلال تغطية احتجاجات أمام أحد المقرات العسكرية في بيروت ( ثكنة الحلو). وتشهد لبنان منذ أكتوبر الماضي، احتجاجات اتخذت أشكالا مختلفة ضد الطبقة السياسية كاملة التي يتهمها المتظاهرون بالفساد ويحملونها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي.

وقد غصت الطرقات في لبنان بالمتظاهرين الذين عادوا ليكرروا المطالب وأولها تشكيل حكومة اختصاصيين وصولا إلى تنظيم انتخابات نيابية مبكرة.. وقد شارك طلاب المدارس والجامعات في مسيرات احتجاجية شملت مناطق متعددة في شمالي وجنوبي وشرقي البلاد الى جانب العاصمة بيروت والمناطق الجبلية منذ انطلاقة الانتفاضة، كما أعلنت قطاعات واسعة من العمال والموظفين المشاركة في الاحتجاجات.. وقد عمد المحتجون الى إقفال الطرقات بالحواجز الترابية والإطارات المشتعلة.

وتفاوتت وجهات النظر في بيروت حول الجهة التي تلجأ الى التصعيد الذي بدأه محتجون منذ ليل الثلاثاء، بعد لجوء المحتجين الى الاعتصام أمام مصرف لبنان وحصول مواجهات مع القوى الأمنية وتكسير واجهات المصارف في شارع الحمرا بالقرب من المصرف.

وأمام التصعيد في بيروت ، يؤكد ناشطون أن من يقوم بالتصعيد هم المتظاهرون أنفسهم بعد فشل المظاهرات السلمية في تحقيق أهدافها، وأن أعمال التكسير والتخريب مشروع في الثورة كما يحصل في فرنسا، في حين يرى آخرون أن من يقوم بأعمال الشغب خلال المظاهرات عناصر تابعين لأحزاب سياسية أو لجهات معينة أهدافها إحداث الفوضى في البلاد وبالتالي ترفض اللجوء الى العنف في المظاهرات.

ولغاية يومنا هذا ، لم يتمكن الدكتور حسان دياب من تأليف الحكومة الجديدة جراء عدم التوافق بين الفرقاء حول الحصص والحقائب الوزارية، في حين يرفض المتظاهرون تشكيل دياب للحكومة العتيدة معتبرين أنها ستكون نسخة عن الحكومات السابقة وتحت سيطرة السياسيين رغم أن دياب يعلن أنها ستكون من اختصاصيين.

وقد تعقد مسار تشكيل الحكومة اللبنانية أكثر من مرة، وآخرها إعلان تيار المردة الذي يرأسه سليمان فرنجية أمس، عدم المشاركة في الحكومة مما أعاد خلط الأوراق وخلق اشكالية لمن ستسند حقيبة وزارة الاشغال التي كانت من حصة تيار المردة، الى جانب الخلاف حول الاسم الذي ستسند إليه نائب رئيس مجلس الوزراء بعد رفض أحد الوجوه النسائية من قبل بعض الفرقاء وهي السيدة أمل حداد. ومن العقد الأخيرة في مسار تشكيل الحكومة أن أكثر من فريق سياسي لبناني يرفض أن تكون الحصة المسيحية في الحكومة لفريق واحد هو التيار الوطني الحر (الذي أسسه الرئيس اللبناني العماد ميشال عون ) والذي يرأسه حاليا السيد جبران باسيل وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال.

وقد قام الدكتور حسان دياب أمس، بزيارة الرئيس اللبناني العماد ميشال عون واستعرض معه التطورات الراهنة والمستجدات في الشأن الحكومي في ضوء الاتصالات الجارية لتشكيل الحكومة دون أن ينتج عن هذا اللقاء الدخان الأبيض بعد تفاؤل ساد في بيروت حول إمكان ولادة الحكومة مساء أمس.

ويصر دياب على نيته تشكيل حكومة اختصاصيين ومستقلين مصغرة، فيما تنقسم قوى سياسية دعمت تكليفه حول شكلها، ويطالب بعضها بحكومة تكنو سياسية وهو ما طالب به نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، وذلك قبل أن يعود ويلتقي به الأسبوع الماضي، وتعلن مصادر بري تسهيل مهام دياب بتشكيل حكومة تكنوقراط كما يصر الدكتور حسان دياب.

وقال دياب الجمعة الماضي إنه سيواصل مهمته الدستورية لتشكيل حكومة تنسجم مع الإطار العام المتفق عليه وهو حكومة تكنوقراط مصغرة، تؤمن حماية اللبنانيين في الزمن الصعب وتنسجم مع تطلعاتهم ولديها مهمة محددة عنوانها “إنقاذ البلد” . ويؤكد متظاهرون في بيروت أن القوى الأمنية استخدمت القوى المفرطة لقمع تحركاتهم ومنها الرصاص المطاطي ، في حين نشرت قوى الأمن الداخلي على صفحتها على تويتر أمس فيديو يظهر نداء من أحد ضباط مكافحة الشغب عبر مكبر الصوت كان يحذر ما أسماهم مثيري الشغب لوقف الاعتداءات قبل استعمال القوة.

ويرى مراقبون أن التصعيد من قبل المتظاهرين يعود الى عدم تجاوب السلطة مع مطالبهم وأولها تشكيل حكومة من التكنوقراط وسط مآخذ من قبل جهات رسمية وشعبية في البلاد بأن رئيس الحكومة المكلف تم تكليفه من قبل تحالف فريق سياسي من لون واحد وهم الثنائي الشيعي ( حزب الله وحركة أمل) والتيار الوطني الحر ( الذي تربطه تحالف سياسي مع حزب الله).

وفي هذا السياق دعا السيد سعد الحريري رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية الفرقاء في بلاده في تغريدة له على حسابه الرسمي على تويتر أمس الى تشكيل الحكومة من أجل تهدئة ما وصفها بالعاصفة الشعبية في بلاده في ظل المواجهة التي تحصل بين المتظاهرين والقوى الأمنية .

ويتخوف مراقبون من انهيار الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان مع تواصل الاحتجاجات في البلاد خاصة مع الشح في الدولار وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار والذي أدى بدوره الى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.

وقالت جمعية المصارف اللبنانية في بيان صدر عنها قبل أيام : نحن في وضع خطير ولا يمكن الاستمرار من دون سلطة تنفيذية وقد نصل الى مرحلة نضطر فيها الى الإقفال.

وأضافت جمعية المصارف أنه على القضاء أن يتحرك ويقوم بدوره ومعاقبة كل من أوصل الاقتصاد اللبناني الى الوضع الحالي ونحن في أزمة لم نمر بها من قبل وإذا لم تحصل الثقة بالنظام السياسي وبالحكومة التي ستتشكل فلن تكون هناك ثقة بالنظام المصرفي.

ويشهد لبنان أزمة اقتصادية وسط نقص حاد في السيولة وارتفاع الأسعار واستشراء الغلاء واقفال المؤسسات وزيادة العاطلين عن العمل، في وقت حذر البنك الدولي من ارتفاع معدل الفقر (ثلث اللبنانيين) إلى 50 في المئة ، وفيما لا يزال سعر صرف الدولار محددا رسميا 1515 ليرة لبنانية، فإن السعر في السوق الموازية تخطى الـ2400 ليرة في بعض الأيام متجاوزا بأكثر من 50 بالمائة قيمة السعر الرسمي الذي حدده مصرف لبنان.

وقال الرئيس اللبناني العماد ميشال عون قبل أيام أن بلاده تمر بظروف صعبة جدا ..لكننا نأمل مع الحكومة الجديدة أن يبدأ الوضع بالتحسن ، وأشار الى أن الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان عمرها 30 سنة وليست وليدة الحاضر وهي بدأت منذ أن تحول الاقتصاد الى اقتصاد سياحة وخدمات وتراكمت الديون دون أن تعمد الدولة الى تسديدها فوقعت اليوم في عجز كبير.

ويبقى السؤال..” هل يستطيع لبنان تشكيل حكومة تخرج البلاد والعباد من أزمة وصفها مسؤولون بأنها الأسوأ في تاريخ لبنان؟”.
تقرير ميساء عبد الخالق

المصدر : وكالة الأنباء القطرية -قنا