رؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية

رؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية

رؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية
رؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية هي تصورنا مستقبلا إنسانياً، يستقيم فيه إنماء كل إنسان وكل الإنسان، ويتطور فيه الإنسان من حال الضرورة لحال الحرية، ويبلغ فيه المجتمع الإنسان كله المستوى الحضاري، الذي يؤخذ فيه من كل إنسان وفقاً لمؤهلاته، ويعطي فيه كل إنسان وفقاً لحاجاته، ويتحقق ذلك في جو من حرية اختيار كل شعب الإيديولوجية الأفضل له، ونظام الحكم الأصلح له.
وليست رؤيتنا هذه أوتوبية بل هي حقيقية.
وليست رؤيتنا أيديولوجية، شرقية أم غربية، بل هي رؤية وجودية كونية شاملة.
وهي تنبثق من إيماننا بالإنسان ذروة الإبداع الإلهي.
‏والإنسان، كما تصورته الرواقية، هو الكائن الوحيد العقلاني.
والإنسان، كما تعلمنا المسيحية، هو الكائن الوحيد المخلوق على صورة الله.
والإنسان، كما يعلمنا الإسلام، هو الكائن الوحيد، الذي خلق من روح الله، وجعله الله خليفته في الكون.
تراثنا الفلسفي الرواقي، وتراثنا الوحداني الروحي، يوحيان لنا بأن الله والعقل يوليان الإنسان قدرة إبداعية لا حد لها.
ويلتقيان في موقفهما هذا من الإنسان مع فلسفة التنوير والعقل في القرن الثامن عشر, التي نادت بقابلية الإنسان اللانهائية للتقدم.
‏وفلسفة التنوير والعقل هي أم الليبرالية والاشتراكية والماركسية، وكل مواليدها الثورية العصرية.
وحدانيتنا الروحية التراثية, ورواقيتنا الخلفية، وإيديولوجيات عصر التنوير هي كلها سياق تاريخي متجدد لعلوية الإنسان، ولحريته، ولعقلانيته، ولعلميته, ولتقدميته.
والإنسان هو غاية الإنماء ورأسماله الأول. ذلك هو ما مسؤول إليه كل تفكير إنمائي حقيقي، وما تنهده كل سياسة إنمائية حقيقية.
‏ولكن هذا التفكير الإنمائي، الذي يحتوي التفكير الإنمائي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والمؤسسي، لا بد أن يدور في فلك تفكير إنسان كوني عام، يستهدف تحقيق إنسانية الإنساني في فردوس دنيوي قبل الفردوس الأخروي، بل وفي فردوس فضائي قبل الفردوس السماوي.
‏ويعني هذا أن الإنماء لا يستقيم إلا ‏اذا انطلق من إنسانية مستقبلية جديدة، تقوم على التزام ندوتنا بإنماء الانسان كل إنسان وكل الإنسان.
ولا يضيرنا أن توصف رؤيتنا أو أن ينعت التزامنا بأنه ” أوتوبيا ” جديدة. فحركة التاريخ هي في نظرنا عملية التحقيق الإبداعي “لأوتوبيا ” بعد الأخرى, من « أوتوبيا » ملاحينا رواد الحضارة الأول، الذين انطلقوا من سواحلنا، قبل خمسة آلاف عام، ليجوبوا البحار لاكتشاف القارات, ‏« أوتوبيا » ملاحي العصر، الذين ارتادوا الفضاء لاكتشاف الكواكب، السيارة.
‏« والأوتوبيا » ليست « موهمة» بل هي معلمة. « الأوتوبيا » تعلمنا أول ما تعلمنا أن الإنسان هو إمكان لم يتحقق بعد.
وان تحقيق هذا الإمكان هو الآن في متناولنا أكثر مما كان في أي وقت مسبق، بفضل دخول الإنسانية عهد التحضر الفضائي. ذلك هو المؤثر التكنولوجي لتقدم الإنسان الآن. الإنسان الفضائي هو الإنسان المتقدم. والإنسان المادون فضائي هو الإنسان المتخلف. فاذا صح هذا المعيار، فما أقل المتقدمين وما أكثر المتخلفين !
‏المتقدمون أقلية صغيرة جدا والمتخلفون أكثرية كبيرة جدا من البشر على صعيد التطور التكنولوجي.
‏والمتخلفون هم جميع البشر على صعيد التطور الحضاري ألقيمي، ما دام ثلث الإنسانية يصنف متقدماً، ويصنف الباقي، الأكثر عددا، متخلفا.
وكيف يمكن أن يعتمد التفوق التكنولوجي وحده معيارا للتقدم، وهو تفوق إفنائي بمقدار ما هو تفوق إنمائي ؟
وإذا جازفنا بنظرة إنمائية لوضع الإنسان الكون في وجهه السلبي، فماذا بيدو لنا؟
الإنسان في لبنان جثة هامدة.
‏والإنسان لدى العرب عباءة مترهلة ومتمزقة.
‏والإنسان في إسرائيل وحش نووي يتربص الموت بالآخرين.
والإنسان في أفريقيا جائع.
والإنسان في آسيا هباء منثور.
‏والإنسان في أوروبا الغربية مستنزف الطاقة. والإنسان في أوروبا الشرقية آلة الحزب والدولة.
‏والإنسان في أميركا الشمالية أداة العبث الإعلامي « الريجيني». والإنسان في أميركا اللاتينية مسحوق بديون المصارف الشمالية.
‏ذلك هو الإنسان، كما يبدو لنا في خريطته الإنمائية الكونية. إن خريطة الكون, كما هي الآن, هي خريطة اليأس، اليأس من الإنسان, واليأس من المستقبل.
‏هذه الصورة القائمة للإنسان الكوني الإنمائي, تقابلها الصورة المشرقة للإنسان الكوني الفضائي, الذي يخطط الآن، لتكون له مستوطنات فضائية عام 1990.
‏وتقابلها صورة إنسان العالم الثالث، الذي يناضل لقيام نظام إنمائي.ونظام إعلامي كوني جديد.
‏لمن يكون المستقبل ؟
‏أيكون للصورة القاتمة أم للصورة المشرقة ؟
ليس المستقبل قدرا واحدا محتوما بل هو اختيارات إرادية إبداعية. المستقبل مستقبلات لا مستقبل واحد.
‏ومخرجنا من منطق اليأس الظاهر إلى منطق الأمل الكامن هو اعتقادنا بأن الإنسان إمكان مستقبلي لم يتحقق بعد.
‏وهذا ما كان يدعوه، الفيلسوف الألماني كنت أمراً مطلقا.
‏إنه لأمر مطلق لدى الإنسانيين من أمثالنا بأن يتقدم جميع البشر، وبأن يتطور جميع البشر نحو الأفضل، ولو اقتضى الأمر عملية إحياء للإنسان، بعد فترة موت عابر.
والحياة والموت ليسا على الصعيد الحضاري ظاهرتين بيولوجيتين، كما تصور ابن خلدون واشبنجلر, ولكنهما ظاهرتان إراديتان روحيتان، كما تصور الفارابي وتوينبي.
ونكاد نتصور, بضوء مأساة السنوات العشر في لبنان، أن الإنماء هو الآن إحياء للإنسان. ومأساة لبنان, إن هي إلا المختزل الانفجاري لمأساة الإنسان العربي، ولمأساة الإنسان من حيث هو إنسان. ولذلك يتوقف إنقاذ لبنان وإنماؤه من جديد، أول ما يتوقف على إحياء الإنسان من حيث هو إنسان : الإنسان اللبناني والإنسان العربي والإنسان الكوني.
ورؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية، انطلقت منذ عام 1964‏، من الوعي والتوعية بالتلازم بين إنماء الأسنان اللبناني والإنسان العربي والإنسان الكوني. ويتجلى هذا الوعي والتوعية في كل ما أصابنا من دراسات وفي كل ما صدر عنا من نشاطات. ونصدر الآن كتاب عيد الندوة العشريني، مختاراً لدراساتنا، وموجزا لنشاطاتنا، لا للتباهي باستباقية فكرنا وفعلنا، بل للتذكير بأن رؤيتنا لإنماء لبنان في الستينات ما تزال هي الرؤية الإنسانية المستقبلية لإحياء لبنان في الثمانينات. ولثن فاتنا وعي هذه الرؤية وتطبيقها فيما قبل المأساة، فإن هذا التخلف الروحي والمثلي لم يعد سائغ التكرار، بعد كل الذي عانيناه في سنوات المأساة العشر.
كان علينا ان نوعي بالإنماء منذ عام 1964
فأصبح علينا أن نوعي بالإحياء منذ عام 1975
نوعي بالإنماء في سبيل الإنماء.
‏ونوعي بالإحياء في سبيل الإنماء.
‏ونوعي بإحياء إنسانية الإنسان وبإنمائها
ونوعي بإحياء عقلانية الإنسان وبإنمائها
ونوعي بإحياء إبداعية الإنسان وبإنمائها.
ونوعي بإحياء كمالية الإنسان وبإنمائها.
ونوعي بإحياء تقدمية الإنسان وبإنمائها.
ونوعي بإحياء حوارية الإنسان وبإنمائها.
ونوعي بإحياء هوية الإنسان فوق أية هوية أخرى وبإنمائها.
ونوعي بإحياء ديموقراطية الإنسان وبإنمائها.
‏ونوعي بإحياء الديموقراطية الإنسانية الإنمائية, التي يتساوى في ظلها جميع اللبنانيين، وجميع العرب، وجميع البشر, في الحقوق والواجبات, التي منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
المدينة اللبنانية، والمدينة العربية، والمدينة الكونية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هي مدينة الغد التي نتطلع إليها، وهي المدينة التي ستكون الحقيقة الحية لرؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية.
د.#حسن_صعب الأمين العام ندوة الدراسات الإنمائية

بيروت في 7/ 10 / 1985.