ضريبة على الثروة من باب التضامن الوطنيّ

ضريبة على الثروة من باب التضامن الوطنيّ

حلّ ضريبيّ بديل لمشكلة الدين العامّ في لبنان
* مقال لسمير الضاهر
لا يختلف اثنان اليوم على أنّ الدين العام في لبنان قد خرج عن السيطرة ولا يمكن وضعه على سكّة مستدامة من دون تعديل جذريّ للسياسات بالتوازي مع جهود مالية ضخمة، إن أمكن ذلك. ولا بدّ من تقليص نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي وأيضاً خفض قيمته المطلقة لكي يتمكّن لبنان من النهوض مجدداً.

تشكّل إعادة هيكلة الدين النهج التقليديّ المعتمد عادةً لمعالجة عبء الديون المفرطة، وتنطوي على خطوات متعددة هي كالآتي: إعادة جدولة الدفعات من خلال تأجيل مواعيد استحقاق الأقساط والاتفاق على مواعيد جديدة، وخفض أسعار الفائدة على الدين، وأخيراً – وهي الخطوة الأكثر صعوبة – خفض المبالغ الرئيسية المستحقّة. من الناحية القانونية، يُعتبر الدين متعثراً عند التخلف عن سداد المبالغ والفوائد المستحقّة في الموعد المحدّد، وبالتالي الإخلال بالشروط التعاقدية. وقد يؤدّي التخلف عن سداد دين معيّن أو تجاه مَدين معيّن إلى اعتبار كلّ الديون المستحقة متعثرة. وبالتالي، قد يعتبر الدائنون الآخرون الذين لم يتأثروا بحالة التعثر أنّ أموالهم في خطر، ما يعطيهم الحق في المطالبة باسترداد أموالهم على الفور قبل حلول موعد استحقاقها.

وفي لبنان، يمثّل القطاع المصرفيّ، أي المصارف التجارية والمصرف المركزيّ، الدائن الرئيسي للدولة. وبالتالي، قد تؤثر إعادة هيكلة الدين العام على الميزانية العمومية لدى المصارف من خلال شطب حقوق المساهمين، وإذا لم يكن ذلك كافياً، من خلال الاقتطاع من بعض الودائع أو جميعها (أو ما يُعرف بالـ “هيركات”).

وستؤدي إعادة هيكلة الدين إلى تشويه صورة لبنان كدولة سريعة التكيّف وجديرة بالائتمان لم تخلّ يوماً بالتزاماتها المالية، حتى في أحلك الأوقات. وستتسبب إعادة الهيكلة حتماً في تراجع التصنيف الائتمانيّ السياديّ إلى أدنى الدرجات وانخفاض قدرة لبنان في المستقبل على دخول أسواق الدين المحلية والدولية إلاّ بتكاليف باهظة، هذا إذا تمكّن من دخولها أساساً، علماً أنّ تصنيف لبنان السيادي قد خُفّض إلى درجة CCC قبل 17 تشرين الأول.

وبدلاً من اللجوء إلى إعادة هيكلة الدين، يمكن تطبيق حلّ آخر قد يحقّق الهدف نفسه، وهو تعديل السياسة المالية. فصياغة السياسات المالية هي صلاحية لا جدال فيها من صلاحيات الدول السيادية التي تستطيع تعديل أنظمتها الضريبية متى وكيفما شاءت. لذلك، لا يُعتبر تعديل السياسة الضريبية شكلاً من أشكال التعثّر، وإن كان الهدف منه معالجة مشكلة الدين. وبموجب النهج الضريبي المقترح لمعالجة مشكلة الدين، يتحمّل المودعون المصرفيّون عبء التعديل عن طريق إعادة شراء الدين المقوّم بالعملات الأجنبية* والبالغة قيمته 34 مليار دولار، أو إعادة شراء جزء كبير منه. ويتمّ ذلك عبر فرض ضريبة على الثروة من خلال جباية ضريبة “تضامن وطني” لمرّة واحدة. وفي هذا السياق، تُعرَّف الثروة على نطاق ضيّق بأنّها ودائع بالعملات الأجنبيّة في المصارف اللبنانيّة، باستثناء جميع الأصول الأخرى. وتوخّياً للإنصاف بين المودعين الذين احتفظوا بأموالهم في المصارف اللبنانيّة وأولئك الذين حوّلوا أموالهم إلى الخارج، يمكن أن يشمل النهج الضريبي المقترح قيمة الودائع الموجودة في لبنان في تاريخ معيّن، مثلاً الأول من كانون الثاني 2019، وذلك بمفعول رجعيّ. وسيكون للضريبة المذكورة، في حال تطبيقها، المفعول نفسه كالـ “هيركات”، لكن من دون التسبّب بتعثّر في سداد الدين وبتراجع التصنيف الائتمانيّ السياديّ.

قد يرى البعض أنّ النهج الضريبيّ المذكور يؤدّي إلى الاقتطاع من الودائع بدلاً من رأس مال المساهمين، وهو أمر خارج عن المألوف لأنّ رأس مال الأسهم المصرفيّة يشكّل عادةً الضمانة الأولى لحماية الودائع بما أنّ أيّ خسارة يجب أن تُقتطع أوّلاً من رأس المال المصرفيّ. وفي ظلّ الظروف الهشّة التي يشهدها النظام المصرفيّ، قد يجنبّ الحلّ الضريبي المقترح المصارف خسارة المزيد من رأسمالها الذي بات شحيحاً قياساً بقاعدة أصولها المجوّفة. مع ذلك، من المحتمل اللجوء لاحقاً إلى تطبيق بعض التدابير التعويضيّة على المساهمين.

في هذا الإطار، يمكن تصوّر عدد من السيناريوهات مع مراعاة توزّع الحسابات المصرفيّة وحجمها. فإذا طُبّقت الضريبة المذكورة على كلّ الودائع المقوّمة بالعملات الأجنبيّة والبالغة قيمتها 120 مليار دولاراً، ينتج عنها العائدات التالية: 12 مليار دولار في حال كان معدّل الضريبة 10%، و24 مليار دولار في حال كان معدّل الضريبة 20%، و30 مليار دولار في حال كان معدّل الضريبة 25%.

ولكي يكون هذا الإجراء منصفاً ومقبولاً اجتماعياً، يجب أن يستهدف الحسابات الأكبر حجماً. وهنا أيضاً، ينبغي دراسة سيناريوهات متعدّدة. فعلى سبيل المثال، سيؤدّي فرض ضريبة بنسبة 20% أو 25% أو 30% على 1% من الحسابات الأكبر حجماً (التي تبلغ قيمتها الإجماليّة حوالي 80 مليار دولار) إلى عائدات بقيمة 16 مليار دولار و20 مليار دولار و24 مليار دولار على التوالي. ويمكن إجراء التحليل نفسه عند تطبيق معدلات ضريبية مختلفة على 10% أو 20% أو 30% من الحسابات الأكبر حجماً.

ومن المهمّ أيضاً عدم النظر إلى ضريبة التضامن الوطنيّ المفروضة لمرّة واحدة على أنّها إجراء يهدف إلى الانتقام من أصحاب الثروات. فمعاداة الأثرياء واستهدافهم سيؤديان إلى تداعيات اقتصادية خطيرة على المدى البعيد تتمثّل بخروج المستثمرين وروّاد الأعمال ومستحدثي الوظائف والثروات من الاقتصاد المحليّ. من هذا المنطلق، ينبغي تقييم أثر الضريبة على الأفراد المتأثّرين بها من خلال قياس العوائد المحقّقة على الودائع المصرفيّة في لبنان بعد فرض الضريبة على الثروة. وقد يُظهر هذا التقييم تراجع الخسائر الاقتصاديّة الفعليّة التي تكبّدها المودعون الأثرياء، وذلك بفضل العوائد الجاذبة التي حقّقوها على ودائعهم ذات أسعار الفائدة المرتفعة في المصارف اللبنانيّة.* يمكن معالجة مشكلة الدين المقوّم الليرة باللبنانيّة، وهي مشكلة كبيرة جداً، بشكل منفصل بما أنّها أقلّ أهميّة من الدين الخارجيّ، خصوصاً في ظلّ انخفاض قيمة العملة الوطنيّة.

المصدر : المركز اللبناني للدراسات lcps